فائض ميزان المدفوعات يدحض كذبة تاريخية كادت تدفع لبنان إلى حضن البلدان الاشتراكية

ميزان المدفوعات

يعمل ميزان المدفوعات في أي اقتصاد كـ«المرآة» التي تعكس علاقة الاقتصاد مع الخارج، وتتضاعف هذه الأهمية في الاقتصادات التي تعاني ضعف العملات المحلية. فعجز ميزان المدفوعات ينذر بأن ما يخرج من عملة صعبة يفوق ما يدخل منها، الأمر الذي لا يشكّل خطرًا على تمويل الواردات وخدمة الديون الخارجية من الموارد الذاتية فحسب، بل يزيد أيضًا الضغط على العملة المحلية، ويشكّل تهديدًا حقيقيًا لاستقرار سعر الصرف.

ميزانُ المدفوعاتِ، الذي ظلّ لسنواتٍ طويلةٍ يعاني عجزًا في لبنان، عاد منذ عام 2024 ليُسجّل فوائضَ ملحوظة، بلغت في نهاية عام 2025 نحو 17 مليارًا و300 مليون دولار، بحسب آخر الإحصاءات الصادرة عن مصرف لبنان، بعد أن كان قد حقق فائضًا تجاوز 7 مليارات دولار في عام 2024.

الذهب يصنع الفرق

وتعود الارتفاعات الكبيرة التي حققها ميزان المدفوعات خلال العام الماضي بشكلٍ أساسي إلى ارتفاع أسعار الذهب ضمن حساب رأس المال، الذي يُعدّ أحد الأعمدة الثلاثة لميزان المدفوعات. في المقابل، لا يزال العمود الأول والأساسي، المتمثل في الحساب الجاري الذي يتضمّن الميزان التجاري، يسجّل عجزًا تراكميًا كبيرًا، بلغ في الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي نحو 10 مليارات و570 مليون دولار.

وفي مقابل هذا العجز الكبير في الحساب الجاري، سجّل حساب رأس المال في ميزان المدفوعات فائضًا لافتًا، نتيجة ارتفاع قيمة احتياطي مصرف لبنان من الذهب بنحو 14 مليارًا و300 مليون دولار، إضافة إلى زيادة في الودائع “الفريش” بالدولار بقيمة مليار و100 مليون دولار. كما شهدت ودائع الليرة اللبنانية زيادة ملحوظة خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025، إذ ارتفعت من 67.9 تريليون ليرة في كانون الاول 2024 إلى 82.7 تريليون ليرة في تشرين الأول 2025، أي بزيادة قدرها 14.8 تريليون ليرة لبنانية.

وسمحت هذه الزيادات للحساب المالي، أو حساب رأس المال، بتحقيق فائض فعلي عوّض جزءًا كبيرًا من العجز في الميزان التجاري، بلغ نحو 3 مليارات دولار. وبعبارات أخرى، فاقت التدفقات الداخلة التدفقات الخارجة بهذا المقدار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025.

دحض الدعاية المغرضة

لا تكمن أهمية الزيادة التي حققها ميزان المدفوعات في الفائض المسجّل بحد ذاته فحسب، بل في دحض سردية تاريخية سادت لسنوات، قامت على تحميل العجز في ميزان المدفوعات مسؤولية العجز في الميزان التجاري. فقد شاع، أو بالأحرى روّج بمكر، أن ارتفاع نسب الاستيراد يستنزف العملات الصعبة ويدفعها إلى الخارج. في حين أن الحقيقة، وفق رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني، هي أن “العجز المزمن في الموازنة العامة، وفشل الدولة في تحقيق فوائض مالية، كانا السبب الأساسي في العجز المتراكم في ميزان المدفوعات”.

لو جرى تصديق هذه الشائعة المغرضة، لكان لبنان تحوّل إلى اقتصاد موجّه يحدّد للمواطنين كما الأنظمة الإشتراكية حجم الاستيراد ووجهته. ولفقد الاقتصاد وجهه التاريخي القائم على الحرية. فيما كانت الدولة ستستمر في الإنفاق من دون حسيب أو رقيب. وتموّل هذا الإنفاق تارة عبر القروض وطورًا عبر ودائع المواطنين، من دون أن نلامس جوهر المشكلة التي بدأت تتخذ طابعًا فاقعًا منذ عام 2011.

على الرغم من الاختلال الكبير في الميزان التجاري خلال العام الماضي، وتسجيله عجزًا بقيمة 10 مليارات و570 مليون دولار في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، بحسب أرقام الجمارك، فإن ميزان المدفوعات ظلّ رابحًا. وهو أمر، إن دلّ على شيء، فيدلّ على أن بيت الداء يكمن في “عدم دخول ما يكفي من الرساميل لتعويض النقص في الحساب الجاري“، كما يؤكد مارديني. ويعود ذلك إلى عوامل سياسية ومالية عدة، أبرزها ضعف قدرة لبنان على جذب الاستثمارات، إضافة إلى طبيعة النظام الضريبي.

إلا أن العامل الأهم، يبقى بحسب مارديني “العجز التوأم الذي كان يحققه لبنان، حيث كانت الدولة تنفق بأكثر بكثير مما تجبيه من إيرادات”. فالإنفاق الكبير على الرواتب والأجور من دون دراسات، وزيادة استيراد المحروقات لتأمين الكهرباء عبر السلف، والاقتراض لتمويل النفقات والصفقات، كلها عوامل كانت تحفز الطلب بشكل اصطناعي، ما يؤدي إلى زيادة الاستيراد في ظل عدم توفر الدولارات.  وللحفاظ على سعر الصرف، كان مصرف لبنان يخسر العملات الأجنبية ويتدخل في السوق بائعًا للدولار، ولا سيما في ظل سياسة تثبيت سعر الصرف، ما راكم العجز في ميزان المدفوعات واستنزف الاحتياطات. وقد أدى هذا المسار إلى عجز مزمن في ميزان المدفوعات تجاوز 30 مليار دولار بين عامي 2011 و2023، وكان أحد الأسباب الرئيسية للانهيار الاقتصادي. وتفاقم الأمر مع طباعة الليرات لشراء الدولارات، وخسارة هذه الدولارات في تمويل الاستيراد، بالتوازي مع استمرار العجز في الموازنة العامة وميزان المدفوعات.

الفائض في الموازنة العامة هو العلاج

منذ منتصف عام 2023، توقّف مصرف لبنان عن طباعة الليرات لتمويل عجز الحكومات، وفرض سياسة تقشفية أدّت خلال السنوات اللاحقة إلى تحقيق فائض في الخزينة فاق 8 مليارات دولار، جزء منه بالدولار والجزء الآخر بالليرة على سعر صرف السوق. “ومع تحقيق الدولة فائضًا، وتوقف مصرف لبنان عن طباعة الاموال لتمويل النفقات، تحوّل ميزان المدفوعات إلى تسجيل فوائض”، كما يستنتج مارديني، “حيث ينعكس فائض الموازنة العامة مباشرة فائضًا في ميزان المدفوعات.”

التشخيص الصحيح لمرض الاقتصاد اللبناني يسهّل وصف العلاج الناجع، الذي يقوم على أربع مرتكزات بحسب مارديني:

  • الأول، الاستمرار في تحقيق فائض في الموازنة العامة وعدم استنزافه، باعتبار أن المحافظة على فائض الموازنة تشكّل ركيزة أساسية للاستقرار المالي.
  • الثاني، ضمان استمرار التحويلات وتدفّق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وهذه الاستثمارات لا تأت إلا في ظل إصلاحات حقيقية، وبيئة تنافسية، وتسهيلات استثمارية، وإصلاح النظام الضريبي، ورفع احتكار الدولة لقطاعات أساسية كالكهرباء والاتصالات والطيران والمياه، التي لم يؤدِّ احتكارها سوى إلى ارتفاع كبير في الأسعار وسوء فادح في الخدمات.
  • الثالث، وجود قطاع مصرفي قوي وسليم ومعافى، قادر على إعادة الاقتصاد إلى دورته الطبيعية من خلال استقطاب الودائع وتمويل المشاريع. وهو ما يستدعي إقرار قانون الفجوة المالية، والانتقال سريعًا إلى الإصلاحات الجوهرية في إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
  • الرابع، استعادة الثقة بالنظام النقدي والمصارف، وهو ما يتطلب إطارًا نقديًا واضحًا وثابتًا، يمكن تحقيقه من خلال اعتماد نظام مجلس النقد (Currency Board) الذي يؤمّن استقرارًا دائمًا في سعر الصرف، ويشكّل حجر الأساس لإعادة الثقة بالاقتصاد والقطاع المصرفي، إلى جانب المحاسبة والشفافية.

ودائع القطاع العام، التي بلغت نحو 8 مليارات و510 ملايين دولار حتى تشرين الأول الماضي بحسب تقارير مصرف لبنان، تثير اليوم مخاوف جدّية من استنزافها، سواء لزيادة الرواتب أو لتمويل الإعمار أو لأغراض أخرى. وهو ما يهدد ميزان المدفوعات ويعيد خطر عدم استقرار سعر الصرف، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع في الأسعار والمطالبات المتتالية بالزيادات، ما قد يُدخل الاقتصاد مجددًا في حلقة مفرغة لا خروج منها.