الهيئة المنظمة لـ الكهرباء: الدور المرتجى

الكهرباء

في 11 أيلول من العام 2025، أقرّ مجلس الوزراء تعيين رئيس وأعضاء الهيئة المنظمة لقطاع الكهرباء. وبعد أكثر من أربعة أشهر، خلصت لجنة المال والموازنة النيابية إلى أن الهيئات المنظمة أصبحت هي نفسها بحاجة للتنظيم. وقد استندت اللجنة في تعليقها هذا، الذي أرسلته إلى الحكومة على هامش مناقشتها مشروع قانون الموازنة العامة، إلى عدم استكمال هذه الهيئات، ولاسيما في الكهرباء، النصوص التي ترعى عملها وتحدد آليات ممارسة صلاحياتها، ما أبقاها في موقع قانوني ملتبس وعاجز عن أداء المهام المنوطة بها.

هذا الموقف ترافق مع انتشار أخبار على مواقع التواصل الاجتماعي وفي أسرار الصحف عن نقص في التواصل بين أعضاء الهيئة المنظمة للكهرباء، وبينهم وبين رئيسها المتواجد في الخارج أغلب الوقت، الأمر الذي دفع للتساؤل: هل كان تشكيلها مجرد إجراء شكلي “Tick the box” لإرضاء الجهات الدولية، مع تعطيل دورها الفعلي، والإبقاء على الواقع من دون تغيير؟

الفروقات مع الهيئة المنظمة للاتصالات

خلافًا للهيئة “التوأم” المناط بها تنظيم قطاع الاتصالات، والتي استكملت مراسيمها واستهلت عملها بالترخيص لـ “ستارلينك“، فإن الهيئة المنظمة للكهرباء لا يُسمع عنها خبر. “هذا الأمر قد يكون مفهومًا، ولا يدل بالضرورة على التقصير، نظرًا لاختلاف المقاربة بين الهيئتين”، تقول الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة المحامية كرستينا أبي حيدر. فالهيئة المنظمة للكهرباء تُولد للمرة الأولى منذ 23 سنة، ولا تملك أي تجربة سابقة تهتدي بها أو مثالًا تحتذي به، وعليها أن تبدأ بتحضير ملفاتها ومراسيمها الداخلية من نقطة الصفر.

في المقابل، الهيئة المنظمة للاتصالات تملك خبرة سابقة، إذ جرى تعيينها للمرة الأولى بالمرسوم رقم 1 في شباط 2007، واستمر عملها حتى نيسان 2012، ولو بشكل صوري، خصوصًا بعد تقديم رئيسها كمال شحادة استقالته في نيسان 2010.

بناء البيت الداخلي

صحيح أنه لم يُسجَّل للهيئة المنظمة للاتصالات في تلك الفترة فتح السوق على المنافسة وتحفيز دخول القطاع الخاص واستجلاب الشركات الأجنبية، إلا أنها عملت على وضع نظامها الداخلي والقواعد والإرشادات والسياسات الخاصة بها. في حين أن “على الهيئة المنظمة للكهرباء التركيز على وضع أنظمتها الداخلية والمالية، والهيكل التنظيمي، بما يتضمنه من مخطط التنظيم الإداري ‘Organigram’، وتحديد حاجاتها من الموظفين والمتطلبات اللوجستية”، بحسب أبي حيدر. وتضيف: “يمثل هذا العمل، المشروط بمهل محددة، بناء البيت الداخلي للهيئة لتمكينها من القيام بعملها بشكل صحيح”.

فكك أنشطة الكهرباء

بعد الانتهاء من بناء بيتها الداخلي، يجب على الهيئة المنظمة للكهرباء الانطلاق في تحسين القطاع، والعمل على فتح السوق على المنافسة والخروج من احتكار مؤسسة كهرباء لبنان في المرحل الثلاثة المتعلقة بالإنتاج والنقل والتوزيع. ذلك أن دخول القطاع الخاص يتطلب، وفق القانون 462، فكك هذه الأنشطة عن بعضها البعض، وذلك من خلال صدور مرسوم عن مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير بفصل الأنشطة.

وتتضمن عملية الفصل الشقين الإداري والمالي، وتكتسب أهمية قصوى بحسب أبي حيدر، لأنها تسمح لكل نشاط أن يكون له كيان مستقل، مما يسهل على القطاع الخاص رؤية الصورة كاملة، وتحديد خياراته الاستثمارية في المجالات التي يرغب بها، خصوصًا الإنتاج والتوزيع، والدخول كشريك في مجال النقل. فالنقل يظل حكراً على مؤسسة كهرباء لبنان بعد تحويلها إلى شركة، إذ كان القانون 462 واضحًا في إبقاء هذا القطاع تحت سلطة القطاع العام، نظرًا لأن الأراضي التي يمر فيها هي استملاكات عامة ومشاعات بلدية، وتعتبر من أكبر الأملاك بعد تلك المملوكة لإدارة سكك الحديد والنقل المشترك. من دون أن يعني ذلك حجبها كليًا عن القطاع الخاص، إذ يمكن للقطاع الخاص الدخول كشريك إداري ومطور وممول لقطاع النقل، على أن تظل الملكية الأساسية للقطاع العام.

تحويل مؤسسة كهرباء لبنان إلى شركة

من الأمور المهمة التي يجب البدء بها سريعًا، ومن دون أي إبطاء، هي تحويل مؤسسة كهرباء لبنان من مؤسسة عامة إلى شركة خاضعة لقانون التجارة. وتمثل هذه الخطوة، برأي أبي حيدر، عنصرًا بالغ الأهمية لتسهيل دخول ومشاركة القطاع الخاص في قطاعات الإنتاج والنقل والتوزيع. ويسمح القانون 462 للقطاع الخاص بامتلاك 40% من الإنتاج والتوزيع في أول عامين، على أن يتخذ مجلس الوزراء القرار بزيادة حصته في السنوات اللاحقة.

وترى أبي حيدر أن القطاع الخاص سيكون مهتمًا بثلاثة أمور أساسية في مرحلتي الإنتاج والتوزيع:

بناء معامل جديدة لإنتاج الكهرباء، نظرًا لأن الشهية على تملك أو إدارة المعامل القائمة شبه معدومة نظرًا لترهلها وحاجتها الكبيرة للصيانة والتأهيل.

الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة والهوائية، ولا سيما في المناطق الجبلية وسهل البقاع.

تأسيس شركات التوزيع.

ويفضل أن يكون دخول القطاع الخاص في نشاط التوزيع على طريقة شراء الكهرباء من المنتجين وبيعها، وليس العمل لصالح المنتجين كما يحصل اليوم مع مقدمي الخدمات، وهي تجربة لم تثبت نجاحها.

يبقى تحرير قطاع الكهرباء من احتكار مؤسسة كهرباء لبنان رهينًا بفاعلية الهيئة المنظمة، ولعب دورها المرتجى تمكين دخول القطاع الخاص في الإنتاج والتوزيع، بما يضمن شفافية المنافسة وتحسين الخدمة. وكل تأخير في تفعيل الهيئة يعني استمرار الواقع الحالي من دون أي تغيير ملموس، لذا فإن البدء الفوري بمهامها ليس خيارًا، بل ضرورة لإطلاق الإصلاح الكهربائي المنشود.