في بداية العام الحالي، وتحديدًا في 9 كانون الثاني، أطلق حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مسارين متوازيين لاسترداد الأموال المأخوذة من مصرف لبنان، وهي كثيرة. وقد ميّز الحاكم بين نوعين من الأموال المأخوذة: الأول أُخذ بشكل رسمي، ولو كان من غير وجه حق، لتمويل الدولة ونفقاتها الكثيرة عبر السلف وفروق سعر الصرف. أما النوع الثاني، فهو الأموال المأخوذة نهبًا وهدرًا وسرقةً وتزويرًا.
وبناءً عليه، حدد حاكم مصرف لبنان طريقتين لاسترجاع هذه الأموال:
الأولى: عبر تثبيت الدين على الدولة اللبنانية بقيمة 16.5 مليار دولار، وعدم القبول بشطبه من قانون الانتظام المالي، واسترداد الودائع. واعتبر الحاكم أن هذا الدين يمثل الجزء البسيط من دين أكبر قد يصل إلى ثلاثة أضعاف الرقم المعلن، وسيعمل على استرداده عبر كل الطرق والوسائل الممكنة.
الثانية: استرداد الأموال المنهوبة من مصرف لبنان، والتعاون مع القضاء المحلي والأجنبي لتبيان الحقيقة واستعادة هذه الأموال.
وبالفعل، انتقل سعيد سريعًا إلى التنفيذ، حيث زار فرنسا في 13 كانون الثاني الماضي، وسلم قاضية التحقيق كليمانس أوليفييه معلومات هامة كانت تنقصها في تحقيقاتها القضائية المتصلة بالاستيلاء على أموال عائدة للبنك المركزي وتبييضها في الخارج عبر شراء العقارات والتزوير. وأعاد بعد شهر الزيارة لاستكمال التحقيقات، حيث عقد في 13 شباط في فرنسا سلسلة اجتماعات مع قضاة التحقيق الفرنسيين المكلفين بالإشراف على التحقيقات القضائية الجارية في عدد من الملفات المالية المرتبطة بمصرف لبنان خلال السنوات الماضية.
وتندرج هذه الاجتماعات، بحسب بيان صادر عن مصرف لبنان، ضمن التعاون القضائي المستمر بين المصرف وقضاة التحقيق الفرنسيين، في إطار جهد دولي يشمل فرنسا، وليختنشتاين، وبلجيكا، وألمانيا، وسويسرا.
ماذا تتناول التحقيقات
التحقيقات الفرنسية تتناول شبهات تتعلق بأعمال اختلاس وعمولات غير مشروعة وترتيبات مالية معقدة شملت التصرف ببعض الأصول المالية التابعة لمصرف لبنان. وتهتم التحقيقات الفرنسية بشكل خاص بقضايا الفساد المرتبطة بالحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وشقيقه وأفراد من عائلته ومعاونين من محامين ومسؤولين مقربين. وتنقسم التحقيقات إلى ثلاث تهم أساسية:
- تبييض الأموال: أظهر تتبع التحويلات المالية إلى أوروبا تجاوز قيمتها 326 مليون دولار، أن مصدرها شركة “فوري” التي يملكها رجا سلامة. وكانت مهمة هذه الشركة تسويق سندات الدين اللبنانية “اليوروبوندز” إلى شركات سلامة في الخارج، واستخدمت الأموال في شراء العقارات.
- التزوير: يشتبه القضاء الفرنسي بتزوير الحاكم وشقيقه مستندات لتبرير ذممهم المالية.
- الإثراء غير المشروع: ويُعتبر هذا المعطى من المواضيع المدرجة في الدعوى الفرنسية المقامة ضد الحاكم، والتي فتح بها إجراء قضائي وتم توكيل نفس القضاة الذين حققوا في ملفات الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الحكومة السابق فرانسوا فيون.
تاريخ التحقيقات الفرنسية
ويعود تاريخ التحقيقات الفرنسية إلى العام 2021، على أثر الدعوى القضائية المرفوعة ضد الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وشقيقه رجا، بتهمة تحويل ملايين الدولارات إلى مصارف أوروبية بطريقة غير شرعية. وقد استكمل المحققون الفرنسيون، بالتعاون مع السلطات القضائية في ألمانيا ولوكسمبورغ وسويسرا، التحقيقات خلال العامين 2022 و2023.
وزارت وفود قضائية لبنان أكثر من مرة، واستجوبت القاضية الفرنسية أود بوريسي المتهمين، وحققت مع مصرفيين ومسؤولين ماليين. وتابع الملف بعد خروجها إلى التقاعد القاضية كليمانس أوليفييه، تحت إشراف القاضي سيرج تورنير.
أهمية التعاون مع القضاء الأجنبي
أهمية تعاون مصرف لبنان لا تكمن في تزويد القضاء بالمعلومات فحسب، بل في دخول المصرف طرفًا في هذه الدعاوى لتثبيت المسؤوليات الجزائية على المتورطين في قضايا الفساد. فقد تبيّن للمصرف، نتيجة التنسيق مع القضاء الفرنسي، “وجود أفعال جديدة متعمّدة ومنسّقة تم بنتيجتها الاستيلاء على أموال عائدة لمصرف لبنان، وقد تمت بهدف الإثراء الشخصي غير المشروع”.
ويعد التنسيق الوثيق مع القضاء الفرنسي عنصرًا محورياً في إثبات المسؤوليات الجزائية، وقد أتاح بالفعل لمصرف لبنان تنقيح استراتيجيته القانونية وتوسيع نطاق تحقيقاته، بغية استرجاع أمواله المنهوبة. وكان سبق لمصرف لبنان، أيام الحاكم السابق بالإنابة وسيم منصوري، الدخول في الدعاوى القضائية المرفوعة أمام القضاء الأجنبي، كطرف مدني، بوصفه متضررًا من قضية الأموال التي يُشتبه باختلاسها من قبل الحاكم السابق رياض سلامة.
ماذا يستفيد مصرف لبنان
يتيح هذا التعاون في الادعاء على سلامة اتخاذ المصرف المركزي إجراءات لملاحقة أملاك سلامة المحجوزة من قبل السلطات القضائية في فرنسا. وبالتالي يساعد على استرداد الأموال، استنادًا إلى معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي انضم إليها لبنان عام 2008، ويفتح المجال واسعًا أمام زيادة التعويضات للمودعين، ولا سيما الذين جرى اعتبارهم بالقانون متضررين من أعمال الفساد في المصرف المركزي.
وتشترط القوانين الدولية ومعاهدة الأمم المتحدة لإعادة الأموال أن يُصار إلى استعمال الأموال المستردة في ثلاث غايات أساسية: مكافحة الفقر، التنمية المستدامة، والتعويض على المتضررين من أعمال الفساد.
