يُشبِه حب اللبنانيين لـ التران ، ورغبتهم بالعودة إليه، حب قيس بن الملوح لليلى. فهو حب عذري. يناجونه في لياليهم الطويلة، وينسجون على ذكراه أمنياتهم الكبيرة، من دون أن يتحول إلى واقع فعلي. فهل يصبحون “مجانين” القطار، مثلما أصبح قيس مجنون ليلى؟
القطار في الوعي اللبناني، لجيلٍ يقف على أطلاله ولسلفٍ عاصره، ليس مجرد وسيلة نقل، بل إنه رمز لزمنٍ أكثر انتظامًا، وأعمق ترابطًا، وأقل زحمةً على الطرقات. والعودة إليه ليست مستحيلة، رغم كل العوائق السياسية واللوجستية والمادية. وهذا ما أظهره “بروتوكول التعاون” الذي وُقّع قبل أيام قليلة بين مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك ومصلحة استثمار مرفأ طرابلس، لإعادة وضع القطار على سكة المرفأ – الحدود الشمالية اللبنانية – السورية. وقد أتت هذه الخطوة في إطار البحث عن المسارات الأكثر جدية وواقعية للانطلاق منها. وساعد على ذلك قلة التعديات على السكة في هذه المنطقة، وجاهزيتها للاستعمال، بناءً على كشفٍ تمّ عام 2004، بحسب رئيس مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، زياد شيا. والأهم، ما يمثله مرفأ طرابلس من نقطة وصلٍ استراتيجية على المتوسط مع العمق السوري أولًا، ومن ثم العربي.
الرؤية الاستراتيجية المفقودة
إحياء سكة الحديد، ولو بجزء صغير، في منطقة الشمال أو غيرها من المناطق، أمر لا يمكن رفضه، «مع أننا نفضل أن يكون العمل قائمًا على أساس خطة استراتيجية وطنية واضحة تأخذ في عين الاعتبار كل المتغيرات الداخلية والخارجية»، يقول رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال توفيق دبوسي. «ويجب على هذه الخطة أن تلحظ كل المتغيرات التي دخلت على القطاع، ولا سيما لجهة نوعية الاستثمارات وطريقتها وإدارتها».
لكن، مع الأسف، فإن «الاتفاق على إطلاق لبنان الجديد، وبأي صيغة، والدور الذي يجب أن يلعبه، لم يتم بعد»، يضيف دبوسي، «وهذا الاتفاق أكثر من مهم لتحديد مستقبل لبنان، بناءً على دراسة الجغرافيا، وتحديد نوعية الاستثمارات المطلوبة، والترابط مع العالم على مستوى البر والبحر والجو».
التحديات تواجه التطبيق
البروتوكول المُوقَّع بين مصلحتي سكك الحديد والنقل المشترك واستثمار مرفأ طرابلس يمثل «نقطة البداية»، برأي رئيس مصلحة سكك الحديد زياد شيا. ومن المفترض أن تُعِدّ المصلحة، خلال الأشهر القليلة المقبلة، دراسةً علمية وعملية. ومن بعدها يُطرح المشروع للتلزيم عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بناءً على دفتر شروط واضح وشفاف، وفق شيا.
التحدي الأول لتحويل الأقوال إلى أفعال يتمثل في تنفيذ الدراسة، إذ إن هناك عشرات الدراسات المنجزة فيما يخص تأهيل سكك الحديد، مرمية في الأدراج، وآخرها دراسة تعود للعام 2017. إلا أن المستجد راهناً كان «دخول مرفأ طرابلس بالمشروع»، وهو تطور جديد لم يشهد له مثيل طوال السنوات السابقة، كما يقول رئيس جمعية “تران تران” كارلوس نفاع، ما يعطي بارقة أمل.
ويضيف نفاع: «مما يزيد قناعتنا بالمشروع هو جديته وإمكانيته العالية للتنفيذ، الأمر الذي دفعنا مع غيرنا من جمعيات المجتمع المدني، التي نشكل معها “الشبكة الوطنية لعدالة التنقل”، إلى توحيد الجهود وتسريعها لحماية هذه الخطوة من التدخلات، والحؤول دون تضييعها في أزقة السياسة اللبنانية، وبالتالي تعطلها وإعادتها إلى الأدراج».
الشراكة وتحدياتها
هذا من حيث الشكل، أما في المضمون، فإن النوايا الحسنة بجذب الاستثمارات المحلية أو الأجنبية، وإدخال القطاع الخاص عبر الشراكة مع القطاع العام (PPP)، تبدو رنانة على السمع، لكنها في الحقيقة مجرد «Faux bijoux» حُليّ مزيفة. فقانون الشراكة الرقم 48 للعام 2017 يحمل في العديد من مواده بنودًا طاردة للاستثمارات. وإذا تجاوزنا عقبة عدم تشكيل المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة، وعدم تعيين أمين عام للمجلس، فإن تطبيق القانون يصبح شبه مستحيل. فالتحضير للدخول في مشروع شراكة يتطلب ما بين سنتين وأربع سنوات، ولا يتضمن أي إطار قانوني للاستثمارات في المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم على الإطلاق.
أضف على ذلك أن عدم وجود «سياسة وطنية لقطاع النقل ترافق هذا المشروع، وتربطه بمخطط توجيهي، بهدف خدمة سكك الحديد للركاب والشحن داخل لبنان وخارجه، قد يعيق التنفيذ أيضًا»، يقول نفاع. ذلك مع العلم أنه على طاولة مجلس الوزراء توجد سياسة وطنية شاملة لسكك الحديد تقدمت بها جمعية “تران تران” بتاريخ 30 آب 2019، ويجب على الحكومة الاسترشاد بها، وإرفاقها بمشاريع قوانين واتفاقيات مع سوريا.
ما الحل؟
تكرار إدارة قطاع النقل البري، ومنه بشكل خاص خطوط سكك الحديد و التران، بعقلية القرن الماضي وأدواته، مع توقع نتائج مختلفة، ما هو إلا استمرار للتعطيل.
والحل المنطقي يكمن في تقسيم سكك الحديد ومحطاتها إلى أجزاء منفصلة، وعرضها على الاستثمار الخاص على غرار ما يجري في معظم البلدان.
إلا أن الوصول إلى هذا الحل يتطلب تحقيق أمرين أساسيين، بحسب نفاع:
- تأهيل القطاع وجعله جذابًا، كي لا يُستثمر أو يُباع بالرخص.
- ضمان عدم تدخل السياسيين في الاستثمار لتشغيل هذا القطاع، بعدما عطلوه وحجموه من البداية. فهذا لا يحرم الاقتصاد من الاستثمارات الجدية والفعالة فحسب، بل يزيد من عدم الشفافية ويكرس منطق الصفقات والفساد.
الثاني، تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية والقضائية على مستوى الوطن لجذب المستثمرين العالميين الجديين وذوي الخبرة في هذا المجال، والذين يمكن أن يضيفوا قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. وقد سبق أن أبدت شركات عالمية كبرى في هذا المجال، مثل Alstom وSiemens، رغبتها في الاستثمار، لكن بعد تحقق ثلاثة شروط أساسية:
- أن يكون هناك قطاع مصرفي يعمل وفق القانون وبشفافية.
- أن يكون القضاء متطورًا ومستقلًا.
- تحقيق الشفافية والحوكمة في القطاع العام.
“المستثمرون جاهزون، إلا أننا ما زلنا غير مستعدين”، يرى نفاع. “فإذا لم يتحقق الإصلاح القضائي والجنائي، ولم تتم إعادة هيكلة القطاع العام، وعدنا إلى رفع الرواتب وتوظيف المزيد من الموظفين دون تحديد دور واضح للقطاع العام، فلن نتمكن من جذب الاستثمار الفعلي”. فدخول القطاع الخاص، يجب أن يكون ضمن قواعد الشفافية ومنع الاحتكار، وفي ظل منافسة حقيقية.
الفارق الجوهري بين قيس واللبنانيين، هو أن قيس لم يكن يملك خيارًا؛ كان محكومًا بالبنية الاجتماعية التي منعته من ليلى. أما اللبنانيون، فحبّهم للقطار ليس قدرًا رومانسيًا، بل قضية سياسية واقتصادية وإدارية. وعليه لن يصبحوا “مجانين” القطار إلا إذا اكتفوا بالنوستالجيا.
أما إذا تحوّل الحنين إلى مطالبة منظمة، وضغط مدني، ورؤية واضحة لإعادة إحياء الشبكة، ولو تدريجيًا، فسينتقل التنظير إلى تنفيذ وهذا هو المطلوب.
