الحكومة “تلطّت” خلف الإصلاح و زادت الرواتب قبل هيكلة القطاع العام

الرواتب

هاج “بحر الإصلاح” الذي وعدت به السلطة وماج، فولد موجةً واهنة من الزيادات على الرواتب في القطاع العام، ستموَّل من جيوب الناس. الهمّ الأساسي تركّز على إرفاق “عقد النفقة” الجديد بإيراد “طازج” مخصص لها، والأهم أن يكون مفعوله كبيراً وسريعاً. وهكذا كان.

أضافت الحكومة رسماً على كل صفيحة بنزين بقيمة 300 ألف ليرة، وزادت الرسوم على المستوعبات إلى ما بين 50 و80 دولاراً، وحضّرت مشروع قانون زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المئة. وعندما تكتمل هذه العناصر وتبدأ جباية الأموال، تزداد الرواتب 6 أضعاف جديدة ليصبح مجموعها 19 ضعفاً.

خطأين: محاسبي ومبدئي

وقعت الحكومة في الزيادة التي أقرتها على رواتب القطاع العام بخطأين: الأول محاسبي، والثاني مبدئي.

من الناحية المحاسبية، يظهر أن نهج تأمين الإيرادات لتمويل الزيادة على الرواتب يشبه طريقة “الدكنجي”. حدّدت أولاً كلفة الزيادة بقيمة 800 مليون دولار سنوياً، ثم بدأت البحث عن مصادر سريعة للإيرادات من دون احتساب الأثر الاقتصادي.

فأقرت رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المئة، من 11 إلى 12 في المئة. ويُفترض بهذه الزيادة أن تؤمّن إيراداً بقيمة تقارب 208 ملايين دولار. والحسبة هنا بسيطة. فبحسب موازنة 2026، تبلغ عائدات هذه الضريبة بنسبة 11 في المئة نحو 186 ألف مليار ليرة (2 مليار دولار)، وزيادتها بنسبة 1 في المئة ستؤمّن بين 182 و200 مليون دولار.

أما زيادة سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة فتؤمّن 362 مليون دولار سنوياً على الأقل، على افتراض أن استهلاك لبنان من البنزين يتراوح بين 300 و310 آلاف صفيحة يومياً، بناءً على إحصاء يعود إلى عام 2023.

يبقى نحو 250 مليون دولار سيجري تأمينها من زيادة الرسوم على المستوعبات، والتي بحسب الأرقام يتبيّن أن مرفأ بيروت سجّل في الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 زيادة بعدد المستوعبات بنسبة 18 في المئة إلى 757 ألف مستوعب.

الخطأ المبدئي

المشكلة ليست محاسبية فقط، على الرغم من فظاعة الأرقام، بل مبدئية أيضاً. فالحكومة التي “تلطّت” نظرياً خلف “التدقيق بأموال الدعم، وجباية 17% من صيرفة، وتحسين الجباية، والنظر بالأملاك البحرية والنهرية، ومتابعة تنفيذ أوامر التحصيل، وتشديد الرقابة على المعابر”، موّلت الزيادة فعلياً من الضرائب غير المباشرة.

هذا من حيث الشكل. أما في المضمون، فإن الزيادة سبقت إعادة هيكلة القطاع العام وتنقيته من جيش الموظفين، الذي يتجاوز عدده مع المتقاعدين 320 ألفاً. فالقطاع العام اللبناني متضخم عددياً، ويشكّل نحو 30 في المئة من القوى العاملة، في حين إن المتوسط العالمي لا يتجاوز 12 في المئة. وهناك عشرات آلاف الموظفين لا حاجة فعلية لهم. فهم إما محشوون بالاستزلام والمحسوبيات، وإما أن إداراتهم غير فعالة، على غرار صندوق المهجرين وأليسار والأسواق الاستهلاكية وخلافها. وإما سيسرّحون بعد تفكيك مؤسساتهم بناءً على القوانين مثل 462 و431 المتعلقين بإعادة هيكلة قطاعي الكهرباء والاتصالات وإشراك القطاع الخاص بهما. وكان من الأجدر، بل من الواجب، إعادة هيكلة القطاع العام قبل أي زيادة، مهما كان حجمها.

التضخم وارتفاع الأسعار

الحكومة في هذه الزيادة تغاضت أو تجاهلت قواعد علم الاقتصاد ومبادئه البديهية، ومنها بشكل أساسي ما يُعرف بـ Fuel Price Pass-Through، التي تربط زيادة أسعار المحروقات بعلاقة طردية مع بقية السلع والخدمات.

وبشكل عام، فإن زيادة 10 في المئة في أسعار الوقود ترفع التضخم العام بين 0.2 و0.6 في المئة. وعليه، فإن إضافة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين تمثل زيادة بنسبة 20 في المئة، وهي ستنعكس ارتفاعاً بالأسعار بنسبة 1.2 في المئة على الأقل.

وإذا ما أضفنا الرسم بقيمة تتراوح بين 50 و80 دولاراً على المستوعبات، وتعمد التجار تدوير الأسعار، فإن هذه الزيادة ستكون بين 1.5 و2 في المئة، وترفع التضخم إلى أكثر من 18 في المئة، في حين إن المستهدف العالمي لنسب التضخم هو 2 في المئة على الأكثر.

تراجع الصادرات

في الوقت الذي تعاني فيه القطاعات الصناعية والزراعية من ارتفاع الكلفة الانتاجية، فإن زيادرة الرسوم على المستوعبات ستزيد الأكلاف وتقلل من قدرة المنتجات اللبنانية في المنافسة في الأسواق الخارجية. وهو الأمر الذي سيفاقم الأعباء على حركة التصدير، ما قد يدفع إلى عدم نموها.  

موقف صندوق النقد

الإجراءات الحكومية أتت عقب اختتام بعثة صندوق النقد جولتها في لبنان. وبحسب المعلومات، فإن ما يهم الصندوق بشكل أساسي هو عدم المس بالإيرادات المحققة سابقاً، والتي تتجاوز 9 مليارات دولار، والمحافظة على عجز صفري في الموازنة. وخلافا لما تعتقده الأكثرية، فإن الصندوق لا يعارض أي إنفاق جديد سواء كان على الرواتب أو البنى التحتية أو المشاريع.. إذا تأمّن من إيراد جديد، ولا ضير أن يكون من البنزين. فبحسب ما يصدر من غرف الصندوق المغلقة، فإن أسعار المحروقات في لبنان متدنية جداً بالمقارنة مع بقية البلدان، ويتوجب رفعها. أما الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة فهي موضع ترحيب دائم من الصندوق.

فقدان البدائل

ما لا تأخذه الجهات الدولية في عين الاعتبار، أن المرونة على أسعار المحروقات معدومة في لبنان. ما يعني أن الزيادة في الأسعار لن تؤثر على الاستهلاك، لأنه لا يوجد قطاع نقل منظم أو فاعل. وأن الزيادات التي ستُفرض على البنزين ستدفع قطاع النقل إلى رفع أسعاره بشكل أعلى، ما يبقي السيارة أرخص وسيلة نقل حتى مع الزيادة بنسبة 20 في المئة على أسعار المحروقات.

هذا من جهة. أما من الجهة الثانية، فإن الضريبة على القيمة المضافة لن تصبح 12 في المئة بعد زيادتها 1 في المئة، إنما سترتفع إلى 15 في المئة، نظراً لأن الحكومة ثبّتت رسماً بنسبة 3 في المئة على كل السلع الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة.

زيادة اعداد الموظفين

قمة السخرية أن قرار زيادة الرواتب وتمويلها من الضرائب ترافق مع إقرار مجلس الوزراء تثبيت أكثر من 1600 متعاقد في الجامعة اللبنانية. وهذا الصرح، على أهميته، يعاني من ورم في أعداد الكادر الأكاديمي، إذ تصل نسبة الكادر الأكاديمي في الجامعة اللبنانية إلى موظف لكل 8 طلاب، في حين يبلغ متوسط الكادر الأكاديمي في عيّنة من 6 جامعات خاصة نحو موظف لكل 10.6 طلاب.

مرة جديدة تمسك الحكومة الاقتصاد والمواطنين من يد رفع أسعار المحروقات التي تؤلمهم، مع التوقع بعدم إفلاتها هذه المرة كما حصل عند تثبيت سعر البنزين في ظل انخفاض أسعار النفط عالمياً في منتصف العام الماضي. وبعيدًا عن الشعبوية التي تترافق مع الزيادات على الرواتب وتغذيها، فإن الخسار الأكبر من هذه الزيادات سيكونوا الموظفين انفسهم.