عودة العجز إلى ميزان المدفوعات: إنذار مبكر أم بداية تدهور جديد؟

الميزان التجاري

لا يجتمع اثنان في لبنان، إلا ويكون الحديث عن سوء الوضع الاقتصادي ثالثهما. معيلو الأسر، والمكتفون ذاتياً من غير الميسورين، يشعرون بوطأة العجز عن زيادة مداخيلهم. يصلون النهار بالليل، يعملون في أكثر من وظيفة، متصلة أحياناً ومنفصلة أحياناً أخرى، ومع ذلك لا يقدرون على تلبية أبسط المتطلبات. يقفون عاجزين، مذهولين مما يحدث، ومتسائلين عن كيفية الاستمرار. ما يعرفه هؤلاء عن ظهر قلب، تفسّره المؤشرات الماكرو-اقتصادية بالأرقام. وفي مقدمة هذه المؤشرات يبرز اثنان مترابطان: الناتج المحلي الإجمالي و ميزان المدفوعات.

في الوقت الذي يُتوقع أن ينكمش فيه الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بأكثر من 7%، عاد العجز إلى ميزان المدفوعات بعد أكثر من 3 سنوات من تحقيق الفوائض. والقراءة المبسطة لهذين المؤشرين تعني أن الاقتصاد يخسر، مع كل غروب، نحو 6 ملايين دولار نتيجة الانكماش، بحصيلة ستتجاوز الملياري دولار بحلول نهاية العام. تُضاف إلى هذه الخسارة حقيقة تفوق التدفقات الدولارية الخارجة من لبنان تلك الداخلة بأكثر من ملياري دولار منذ حزيران. وفي الحالتين، هناك نزيف بالعملة الأجنبية التي يتنفس الاقتصاد من خلالها.

عجز ميزان المدفوعات

فقاً لأحدث تقرير نقدي صادر عن مصرف لبنان، سجل ميزان المدفوعات عجزاً تراكمياً قدره ملياران و319 مليون دولار حتى شهر تموز الماضي، وهو ما يقل بكثير عن الفائض المسجل للفترة نفسها خلال السنوات الثلاث الماضية. ففي العام 2023، حقق ميزان المدفوعات فائضاً بحدود المليار دولار، وارتفع إلى 3.9 مليارات دولار في العام 2024، ووصل إلى حدود 9 مليارات دولار في العام الماضي.

الأرقام، على أهميتها، تفتقد إلى عنصرين أساسيين:

  • الأول، افتقادها إلى آلية تحدد بدقة الأموال المتدفقة إلى الاقتصاد بطريقة “غير شرعية”، أو تلك الخارجة منه نقداً، ولا سيما عبر العمالة الأجنبية.
  • الثاني، والأهم، أن هذه الأرقام قد تكون نظرية أكثر منها فعلية. فالفائض المحقق في السنوات الماضية نتج عن الزيادة الكبيرة في الحساب المالي، مقابل استمرار العجز في حسابَي رأس المال والجاري، وهي الحسابات الثلاثة التي يتكون منها ميزان المدفوعات.

وقد نتجت الفوائض في الحساب المالي بشكل أساسي عن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية في مصرف لبنان، نتيجة ارتفاع قيمة احتياطي الذهب والعملات الأجنبية. في المقابل، ظل الحساب الجاري خاسراً بنسبة كبيرة، مدفوعاً بالعجز الكبير في الميزان التجاري. ولم يتحقق الكثير في حساب رأس المال، الذي يضم المعاملات الخاصة بالتحويلات الرأسمالية وشراء الأصول غير المالية أو بيعها.

تراجع صافي الأصول في المركزي

عليه، فإن عودة العجز بعد منتصف هذا العام لا تشذ عن هذا السياق، ولو أن العجز التجاري قد ارتفع. ويعود ذلك، بحسب التحليل، إلى انخفاض صافي الأصول الأجنبية التراكمي لمصرف لبنان بمقدار 3 مليارات و286 مليون دولار، مقابل ارتفاع صافي الأصول الأجنبية التراكمي للبنوك التجارية بمقدار 967 مليون دولار بحلول شهر تموز 2026. أما على أساس شهر تموز وحده، فقد ارتفع صافي الأصول الأجنبية لمصرف لبنان بمقدار 368 مليون دولار، وبالمثل ارتفع صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية بمقدار 168.8 مليون دولار.

هذا لجهة الحساب المالي. أما على صعيد الحساب الجاري، فقد ارتفع العجز في أهم أعمدته المتمثل بالميزان التجاري خلال النصف الأول من هذا العام إلى 8 مليارات و650 مليون دولار، مقارنةً بـ7 مليارات و870 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي. فقد استورد لبنان سلعاً وبضائع بقيمة 10 مليارات و150 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام، في حين بلغت قيمة صادراته نحو مليار ونصف المليار دولار فقط.

العجز التجاري حقيق وملموس

وخلافاً للحساب المالي، فإن العجز في الحساب الجاري حقيقي وملموس، ويعكس خروجاً صافياً للعملات الأجنبية من الاقتصاد. وتزداد خطورة هذا الرقم إذا ما تمت مقارنته بالناتج المحلي، إذ أصبح العجز في الميزان التجاري يمثل نحو ثلث حجم الناتج، المقدّر بنحو 30 مليار دولار لهذا العام، ما يعني أننا أمام واقع يزداد خطورة، بحسب عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عدنان رمال.

” فعدا عن ارتفاع كلفة الواردات بسبب التضخم العالمي والارتفاع المفرط في أسعار الطاقة، وتقلص الصادرات بنسبة 15%، فإن التوترات الإقليمية والحرب في لبنان والمنطقة ساهمت، إلى حد ما، في زيادة الضغط على حركة رؤوس الأموال المتحركة والقابلة للاستخدام، وانحسار التدفقات النقدية بالدولار”، يضيف رمال. و”واقعياً، نحن أمام عجز مفرط في الميزان التجاري وعجز كبير في ميزان المدفوعات، وهذا مؤشر يجب التنبه إليه”.

الراية الحمراء لم ترفع بعد

على الرغم من مخاطر عودة العجز في ميزان المدفوعات، فإنه لا يشكل، لغاية الآن، مؤشراً تلقائياً على أزمة جديدة، لعدة أسباب، أهمها:

  • أن هذا العجز ما زال ظرفياً ومرتبطاً بتراجع التدفقات النقدية، سواء من المغتربين أو السياحة أو حتى الصادرات، ومن الممكن تعويض جزء كبير منها بسهولة في حال استقرار الوضع في فترة قريبة.
  • عدم ترافق العجز في ميزان المدفوعات مع عجز موازٍ في الموازنة، على غرار ما كان يحصل منذ العام 2011، حيث أدى “العجز التوأم” (Twin Deficits) إلى نتائج دراماتيكية على احتياطات العملات الأجنبية.
  • اعتماد وزارة المالية سياسة محكمة لتقليل الإنفاق العام، ما يحد من حاجتها إلى التمويل من خارج الأطر التقليدية، إضافة إلى التوقف عن طلب السلفات من مصرف لبنان.
  • تنسيق وزارة المالية مع مصرف لبنان بصورة مباشرة لضبط الكتلة النقدية بالليرة، بحيث يضخ مصرف لبنان الليرات بالقدر اللازم لتسديد الضرائب والرسوم، فيما يتم جمع الدولارات من قبل جهة واحدة، بما يضمن عدم التلاعب بسعر الصرف، رغم تراجع كمية الدولارات المتاحة.
  • تكوين مصرف لبنان احتياطياً مقبولاً نسبياً. فباستثناء توظيفات المصارف الإلزامية، يقدّر الاحتياطي المكون بنحو 4 مليارات دولار، ما يعطي المركزي هامشاً أكبر للتحرك والمناورة. وقد شهدنا ذلك خلال شهري نيسان وأيار، عندما تدخل لحماية سعر الصرف، نظراً إلى أن أي تدهور في سعر الصرف ينعكس سلباً على التضخم.

لكل هذه العوامل، لا يستدعي العجز المستجد في ميزان المدفوعات رفع الراية الحمراء بعد. لكن الخطر يكمن في أن يتحول هذا العجز إلى عجز دائم ومستمر، وأن يعود ليترافق مع عجز في الموازنة، خصوصاً في ظل المطالبات الاجتماعية والحاجة إلى إعادة هيكلة الدين وإعادة الودائع، ما لم يترافق ذلك مع خطة إصلاحية جذرية، ولا سيما خفض حجم القطاع العام وتقليص حاجة الدولة إلى الأموال، وتكريس عدم تمويلها من مصرف لبنان بقانون سواء كان بالليرة أو الدولار.