شمس لبنان الضائعة… اتّجار بتراخيص محطات التوليد وإهدار للطاقة النظيفة

شمس لبنان الضائعة… اتّجار بتراخيص محطات التوليد وإهدار للطاقة النظيفة

ينتظر اللبنانيون منذ عام 2017 إنشاء محطات توليد كهرباء بالطاقة الشمسية، غير أن ثغرات قانونية وشبهات إدارية شابت عمل الجهات الحكومية المنوط بها إدارة الملف، ونتج عنها اتّجار في التراخيص وإهدار الفرصة تلو الأخرى.

– في منزل مستأجر بمنطقة القبة في طرابلس، شمالي لبنان، تعيش إيمان الحموي (31 عاماً) حياتها رهينة جهاز طبي لا يمكن أن يتوقف عن العمل، جراء إصابتها بتليّف رئوي وراثي. ولضمان تدفق الأكسجين المستمر عبر الآلة، تحتاج أسرة الحموي إلى تيار كهربائي متواصل ولهذا تدفع لصاحب مولد خاص 90 دولاراً شهرياً لقاء اشتراك قدره أمبيران (وحدة القياس الأساسية للتيار الكهربائي).

بيد أن هذه الكمية لا تكفي لتشغيل الجهاز والثلاجة والمروحة معاً، فاضطر مالك المولد متعاطفا مع معاناة العائلة، إلى رفع التغذية لخمسة أمبيرات متحملاً الكلفة الإضافية؛ فالأسرة لا يمكنها دفع الفاتورة البالغة 200 دولار شهرياً، وهو ما يعادل إيجار المنزل كاملاً.

على أية حال، لا تعد معاناة الحموي قصة إنسانية قاسية ومعتادة فحسب، بل تعبير صارخ عن كلفة انهيار الخدمة العامة في بلد هبطت فيه تغذية مؤسسة كهرباء لبنان إلى ساعات معدودة يومياً، بحسب ما يوثّقه البنك الدولي. ففي عام 2022 تراجعت التغذية إلى ساعة أو اثنتين يومياً، قبل أن تتحسن إلى أربع أو خمس ساعات منذ مطلع 2023، لتبلغ في عام 2025 ما بين 6 و8 ساعات يوميًا على مختلف الأراضي اللبنانية.

وبينما ترزح عائلة الحموي كغيرها من الأسر تحت ثقل فواتير المولدات الخاصة والتكاليف الباهظة لمنظومات الطاقة الشمسية، تستمر الحكومة اللبنانية في وضع خطط إصلاح القطاع وإطلاق مشاريع دون قدرة مؤسسية ومالية وتنظيمية على ضمان تنفيذها. ومن أبرزها برنامج إنشاء 11 محطة طاقة شمسية في المحافظات اللبنانية، سوّقت له وزارة الطاقة والمياه منذ 2017، على أنه سيمد شبكة الكهرباء بـ165 ميغاواطا من الكهرباء (5% من حاجة لبنان)، إلا أنه وكما يكشف التحقيق حتى الآن، لم يبدا تشغيل أي محطة لتدخل مرحلة الإنتاج التجاري. والأنكى من ذلك، أن التراخيص المنشأة بحقوق عامة تحوّلت إلى أصول مالية تتداول بين كبار المستثمرين.

دفاتر شروط بلا معايير: كيف فُتح الباب للمضاربة؟

بدأ مسار المشروع في يناير/كانون الثاني 2017، أثناء تولي سيزار أبي خليل منصب وزير الطاقة والمياه، إذ أعلن عن خطة لبناء محطات للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تراوح بين 120 و180 ميغاواطا، موزعة على 11 مشروعا: ثلاثة مشاريع في البقاع والهرمل، وثلاثة في جبل لبنان، وثلاثة في الجنوب والنبطية، ومشروعين في الشمال وعكار، على أن ينتج المشروع الواحد ما متوسطه 15 ميغاواطا.

حينها دعت الوزارة القطاع الخاص للتقدم وفقاً لعدد من الاشتراطات حددتها في كتاب “إعلان إبداء الإهتمام” الذي أعده المركز اللبناني لحفظ الطاقة – LCEC (مؤسسة غير ربحية تابعة لوزارة الطاقة والمياه اللبنانية)، وكما يتضح من محتواه الذي حصل “العربي الجديد” على نسخة منه، يتحمّل المستثمر مسؤولية تأمين تمويل المشروع والأرض التي ستقام عليها المحطة وكل ما يتعلق بالجوانب التقنية، والتصميم والبناء والتشغيل والصيانة، والربط بشبكة كهرباء لبنان.

غير أن الإعلان الصادر في 2017 لم يحدد حداً أدنى لرأس المال أو لحجم الأعمال، ولم يطلب خطاباً مصرفياً ملزماً يضمن تمويل المشروع. وبينما تقدمت 42 شركة بعروض ضمن تحالفات من شركات لبنانية وأجنبية، ظل المشروع مجمدا لمدة 5 أعوام دون أي إجراءات حكومية لتفعيله، حتى إبريل/نيسان 2022، وقتها تقدم وزير الطاقة السابق وليد فياض بطلب إلى مجلس الوزراء لمنح الشركات الفائزة التراخيص، وفي مايو/أيار 2022، قال فياض عقب جلسة منح التراخيص، إن 12 تحالفاً بقيت بعد الفرز، قبل انسحاب أحدها بدعوى عدم قدرته على الاستمرار.

لماذا تعطل المشروع؟

من وجهة نظر فياض، (تولى وزارة الطاقة والمياه بين أعوام 2021 و2025)، فالتعطل يعود إلى الأزمة الاقتصادية التي مر بها لبنان عام 2019 وما تلاها، دون أن ينكر أن الإجراءات “استغرقت وقتًا” قبل أن يستطرد قائلا لـ”العربي الجديد”، إنها كانت قبل توليه الوزارة.

إلا أن السبب الحقيقي يعود إلى أن القرار صدر دون إعادة تأهيل الشركات ماليًا أو فنيًا للتأكد من استمرار قدرتها على تنفيذ المشروع لا سيما بعد انهيار المصارف والعملة منذ عام 2019 وتغير سوق التمويل ومرور 5 سنوات على اختيارها. وهو ما يشير إليه المحامي اللبناني علي سويدان، في تقييمه القانوني للملف وقراءته للعقود التي اطلع عليها مزودا معد التحقيق بنسخة عن عقد شراء الطاقة (PPA) الذي حصل عليه بعد عام ونصف من تقديم الطلب إلى وزارة الطاقة والمياه، موضحا أن عددا من الشركات التي فازت بالرخص لم تكن تمتلك القدرات الفنية أو الخبرة أو التمويل الكافي لتنفيذ مشاريع بهذا الحجم منذ البداية، وهو ما يفسّر تعثر تنفيذها فيما بعد، بل وبيع حصصها في المشاريع أو التراخيص، على حد قوله لـ”العربي الجديد”.

ولهذا، يصف غسان بيضون، المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه، والخبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق، “إعلان إبداء الاهتمام” بأنه مسار غير مألوف في التلزيمات العامة، ويرى أن إعادة التحقق من الملاءة والخبرة أو إطلاق منافسة جديدة كانا أمرين ضروريين بعد الانقطاع الزمني الطويل ما بين إعلان إبداء الاهتمام ومنح التراخيص.

ويتفق معه الباحث في شؤون الطاقة مارك أيوب، زميل معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية ببيروت، قائلا إن استعادة عروض 2017 في عام 2022 كان ينبغي أن تقترن بمنافسة أو تأهيل مالي جديد، لأن سوق التمويل تغيرت كلياً. ومع أنه لا يساوي بين جميع الفائزين، إلا أن وجود شركات عاملة وشركاء تقنيين لا يعوض غياب تقييم دقيق يثبت القدرة على تمويل مشروع بحجم 15 ميغاواطا.

اتّجار في الرخص

اشترط قرار مجلس الوزراء ثلاث سنوات من تاريخ الحصول على الرخصة، للبدء في إنتاج الكهرباء عبر المحطات. وبالفعل، وقّعت وزارة الطاقة والمياه مع ممثلي التحالفات الـ11 عقود شراء الطاقة (PPA) في 5 مايو 2023، أي قبل انتهاء السنة الأولى بأيام. وكان من المفترض أن تقوم الشركات على مدار العامين التاليين بتوفير التمويل ومن ثم إنشاء المحطات والربط مع شبكة كهرباء لبنان لمدة 25 سنة، بدءا من مايو 2025، إلا أن ذلك لم يحدث.وتكمن المفارقة أن وزارة الطاقة والمياه في الوقت ذاته، أذنت للشركات الحاصلة على التراخيص بنقل الرخص والحصص إلى شركات أخرى. وبحسب شهادة المهندس وسام ضو، مؤسس شركة (Dawtec)، المتخصصة في مجال الطاقة، لـ”العربي الجديد”، فإنه مع انسداد أبواب التمويل المصرفي بعد 2019، ودفع مبالغ بين 3 و4 آلاف دولار سنوياً ضمانات مصرفية، باع تحالف (Dawtec–Loop–Staunch) ترخيص أحد محطات البقاع (منطقة التويتي) إلى شركة (CMA CGM) من خلال ذراعها الاستثمارية (Merit Invest) بـ 380 ألف دولار.

ويشير ضو إلى أن التحالف الذي كانت شركته جزءاً منه دخل وعدد من التحالفات الأخرى الحاصلة على الرخصة في مفاوضات مع الوزارة على إعادة تسعير تعرفة البيع المحددة للمشروع منذ 2017، لكنها رفضت، لذلك قرر تحالفه بيع الرخصة، لأن الاستمرار لم يكن مناسباً له على المستوى المادي، كما أن تغير السياسات الحكومية المستمرة تجاه المشروع يجعل المشروع في تخبط، وعلّق قائلاً: “موضوع الطاقة الشمسية في لبنان قادر تنقل البلد من محل لمحل تاني، بس كل هالتخبيصات والتعقيدات والرؤوس معارضين أي تقدم ممكن يصير في هذا الاتجاه”، وأضاف: “كل ما بييجي وزير ويروح وزير يرجع يفوت بالنظام وما بيقدر يأخد قرارات حاسمة، وهذا يجعل الأمور اللي ممكن تتحل في شهر تتعقد وتاخد سنين”.

ولم تكن هذه الصفقة حالة معزولة، إذ وقعت سبع عمليات نقل ملكية واستحواذ على حصص من رخص المحطات منذ عام 2024، ومن بينها خروج شركة (Arina Energy) من تحالف (SIBILINE Solar Farm)، الحائز على ترخيص إحدى محطات جبل لبنان، في ديسمبر/كانون الأول 2024 لقاء 180 ألف دولار، وفق ما يرصده الباحث أيوب، منتقدا تنفيذ هذه العمليات من دون وجود نص ضمن العقود يفرض رسماً للخزينة العامة للدولة لقاء نقل الرخصة أو التنازل عن أسهم هذه الحقوق أو سحب الحكومة لموافقاتها، وكأن تلك التراخيص “امتياز خاص وليست حقا عاما” بحسب قوله.

وللحصول على ردّ من الشركات حول مصير التراخيص ومراحل تنفيذ المشاريع، أرسل معد التحقيق أسئلة عبر البريد الالكتروني لكل من الشركات التالية (MAN Enterprise – CMA CGM – Ecosys – Phoenix – Innovative Group)، وحتى موعد النشر لم يتلق سوى رد من شركة (CMA  CGM)، التي استحوذت خلال عمليات نقل الحصص، على رخص ثلاث محطات عبر مجموعة (Merit Invest) التابعة لها، وهي: (Joun PV) في جبل لبنان، و(Kfifane–Phoenix) في الشمال، وتحالف (Dawtec–Loop–Staunch) في البقاع.

وأفادت الشركة في ردها المكتوب بأن محطة بينو في عكار هي الأكثر تقدّماً حتى تاريخ الرد، إذ تم تأمين الأرض، كما تتقدّم مختلف المراحل التمهيدية اللازمة لتنفيذ المشروع، لا سيما ما يتعلق بالموافقات التنظيمية، والربط بشبكة مؤسسة كهرباء لبنان، والمتطلبات الفنية والبيئية. وفي هذا الإطار، وافقت وزارة البيئة على دراسة الأثر البيئي للمشروع في مايو 2026. أما مشروعا جبل لبنان والبقاع، فتتم حالياً دراسة خيارات عدة متعلقة بالأراضي المناسبة لتنفيذهما.

ومن المتوقع أن تتولى المجموعة تمويل المشاريع الثلاثة. وأضافت: “لم يطرأ، عقب الاستحواذ، أي تعديل على الشروط الرئيسية لاتفاقيات شراء الطاقة (PPA)، ولا سيما التعرفة ومدة العقود والضمانات، كما حددتها قرارات مجلس الوزراء منذ عام 2022”.

ويعلق الوزير السابق فياض على عمليات الاستحواذ بأنها “مربحة للطرفين” ما دامت الأولوية، برأيه هي لتنفيذ المشاريع، مبررا حصول الشركات على مقابل مادي لقاء نقل حصصها، بأن سنوات العمل التحضيري التي أنجزتها الشركات تفسر تقاضيها مقابلاً عند التخارج من المشروع، ومقدرا قيمة هذه الصفقات بما بين 100 و300 ألف دولار تقريباً معتبراً أن هذه المبالغ ليست كبيرة. لكن المحامي سويدان، يرى أن الخلل لا يقف عند حدود المتاجرة المالية، بل يمتد إلى الثغرات القانونية والشبهات الإدارية التي شابت المسار.

تمديد المهل رغم عدم الالتزام

عقب انقضاء السنوات الثلاث وهي المهلة الأصلية لتنفيذ المشروع، لم تكن أي محطة قد دخلت طور الإنتاج، ومع ذلك، لم تتجه الدولة إلى سحب حقوق التراخيص أو إعادة طرحها لعدم التزام الشركات بالعقد، بل عقد وزير الطاقة والمياه الحالي جوزيف الصدي لقاء مع أصحاب التراخيص للنقاش معهم حول استيفاء الشروط اللازمة للبدء في إنشاء المحطات، مانحاً إياهم مهلة حتى 31 ديسمبر الماضي، لتوفيق أوضاعهم.

وسمحت التعديلات التي أدخلت على النسخة النموذجية من العقد، المؤرخة في 23 سبتمبر/أيلول 2025، للدولة بخيار تمديد موعد استيفاء الشروط أو إنهاء العقد، وفرض تعويض يومي عن تأخر التشغيل، واعتبار عدم التشغيل بعد 180 يوماً أو هجر المشروع إخلالاً يتيح الرجوع إلى ضمان التطوير، كما تستبعد صراحة نقص الأموال وعدم الاتفاق مع طرف ثالث من القوة القاهرة. وقال الصدي يومها في بيان منشور على موقع الوزارة بأن “معظم الرخص كانت نائمة في الدرج”.

وبإدخال هذا التعديل، صارت أزمة التمويل تفسر التعثر اقتصادياً، لكنها لا تعفي المستثمر تلقائياً من التزامه. بيد أن المحامي علي سويدان يشير إلى عدم وجود مبرر لتمديد العقود تلقائياً، وأن القانون رقم 328 الذي علّق بعض المهل بسبب الحروب أو الأزمات يستثني المهل الإدارية التقديرية وواجبات التنفيذ.

من يتحمل المسؤولية؟

قانونياً، من المفترض أن تتولى الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء مسؤولية تنظيم القطاع والرقابة عليه، ومنها منح الرخص، منذ أن أدرجها قانون تنظيم قطاع الكهرباء في لبنان رقم 462 الصادر عام 2002 جهةً مستقلةً للفصل بين دور الدولة منظماً ودورها مشغلاً، وضمان المنافسة والشفافية، وتنظيم مشاركة القطاع الخاص، كما أولاها القانون تحديد تعرفة الكهرباء وإصدار تراخيص الإنتاج والأذونات، على أن تختص وزارة الطاقة والمياه بالسياسات العامة للقطاع والخطط التوجيهية واقتراح القوانين والمراسيم.

لكن ظل تشكيل الهيئة معطلاً منذ إصدار القانون حتى 11 سبتمبر 2025، أي مدة 23 عاماً. إذ اقترح تشكيلها وزير الطاقة والمياه الحالي جو الصدي (وهو ما يقتضيه القانون ولم ينفذه الوزراء السابقون)، وقال الصدي في تصريحات صحافية إن الهيئة شرط قانوني لترخيص الطاقة المتجددة بأحجام كبيرة، كما أنها شرط أساسي من الجهات المانحة لمساعدة لبنان.

قبل ذلك، كانت صلاحيات الهيئة في يد وزارة الطاقة ومجلس الوزراء ومؤسسة كهرباء لبنان بناءً على قوانين استثنائية يقرها لها البرلمان، وهو ما حدث عند منح رخص 2022، إذ مارس مجلس الوزراء صلاحيات الترخيص استناداً إلى القانون الاستثنائي رقم 129 لعام 2019، قبل يومين فقط من انتهاء مدة القانون المقررة حتى 30 إبريل 2022، ويفسر بحث “فصل أنشطة قطاع الكهرباء في لبنان: شرط أساسي للإصلاح”، الصادر عن معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية بالجامعة الأميركية في بيروت، ما جرى، مشيرا إلى أن تعاقب مجالس الوزراء دون تشكيل الهيئة جاء نتيجة “اختلاف سياسي مستمر حول دورها وصلاحياتها”.

ورغم تعيين الهيئة رسمياً، لم تتسلم حتى الآن ملفات رخص المشروع. وبحسب سورينا مرتضى، عضو مجلس إدارة الهيئة الناظمة للكهرباء، فإن دور الهيئة مراقبة التراخيص، بينما تبقى عقود الشراء أو تعديلها من اختصاص الوزارة. لكنها اعتبرت في حديثها لـ”العربي الجديد” أن تمديد المهل أو نقل الرخص مبرر في ظل تقييم أسباب التعثر الذي يجب أن يراعي انهيار التمويل والحرب التي تشهدها لبنان خلال الفترة الأخيرة، وأن ثلاثة مواقع تقع في الجنوب. واللافت هو ما أوضحته عن أن طبيعة الأراضي المشاع في البقاع قد تعيق عقود الإيجار الطويلة.

وفي هذا السياق، يرى غسان بيضون، أن طبيعة المشاعات لا تشكل عائقاً غير قابل للحل أمام الطاقة الشمسية، داعياً إلى استثمار الأراضي العامة في هذه المشاريع، وبحسب تقديره، هناك نحو مليوني متر مربع مناسبة في قرية رأس بعلبك، ويقترح معالجة قِصر مدة الاستثمار بمرسوم أو قانون أو بتحويل بعض الأراضي من الملك العام إلى الملك الخاص البلدي.

من ناحية أخرى، يتزامن الحديث عن تأخر تشكيل الهيئة، مع اعتماد وزارة الطاقة والمياه في المقابل على “المركز اللبناني لحفظ الطاقة”، الذي يعرّف نفسه على موقعه الرسمي بأنه وكالة وطنية للطاقة في لبنان، وأنه يتولى مسؤولية إعداد وتنفيذ والتحديث الدوري للخطة الوطنية لكفاءة الطاقة (NEEAP) والخطة الوطنية للطاقة المتجددة (NREAP) في لبنان.

ووفقاً للوثائق والمعلومات المنشورة بخصوص مشروع محطات الطاقة الشمسية، تولى المركز إعداد كتاب “إعلان الاهتمام”، كما موّل “المستشار الدولي” التي استعانت به الوزارة لوضع دفتر شروط المشروع، وبحسب المحامي سويدان، فإن المركز بصفته جمعية لا يملك صفة قانونية كي يتداخل في مشروعات الوزارة.

لكن سورينا مرتضى، التي عملت في المركز مدة 14 عاماً قبل أن تنتقل إلى عضوية الهيئة الناظمة للكهرباء، ترد على ذلك بأن المركز يقدم خدماته للوزارة “ببلاش”، وأن له “انجازات في مجال الطاقة لا يجب إغفالها”، على حد قولها.

ويتخذ المركز منذ تأسيسه في 2011 من الغرفة 303 في مبنى وزارة الطاقة والمياه مقراً له، وهو نتاج مشروع مشترك مدته 5 سنوات وقّعته وزارة الطاقة والمياه وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في عام 2002، لتعزيز كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة في لبنان بدعم مالي من مرفق البيئة العالمي (GEF)، ووفقاً للبيانات المنشورة على موقعه الرسمي، استمر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقديم الدعم المالي والإداري للمركز حتى عام 2013، وفي العام نفسه، التزمت وزارة الطاقة والمياه باستدامة تمويله مستقبلاً، كما يتلقى دعماً من الاتحاد الأوروبي (EU) والوزارة الإيطالية للبيئة وأمن الطاقة (IMEES)، ومصرف لبنان المركزي (BDL).

وقد تواصل معد التحقيق مع جوزيف الأسعد، رئيس المركز اللبناني لحفظ الطاقة، للرد على ما ورد بخصوص دوره، لكنه لم يرد على الأسئلة حتى موعد النشر.

ملايين ضائعة

تظهر الحسابات التقديرية (المستندة إلى نموذج دراسة محطة الطفيل بالجامعة الأميركية في بيروت) أن قدرة الـ 165 ميغاواط كان يمكن أن تنتج سنوياً ما بين 341 و396 جيغاواط/ ساعة من الطاقة النظيفة. وبمقارنة التعرفة المحددة للتراخيص (5.7 سنتات في البقاع و6.27 سنتات خارجه) بمتوسط تكلفة إنتاج الكهرباء عبر الوقود الأحفوري (10 إلى 15 سنتاً للكيلو واط/ساعة)، يتبين أن تأخير تشغيل هذه المحطات يكبد الاقتصاد اللبناني فرصة تكلفة اقتصادية ضائعة تتراوح بين 13 مليون دولار و35 مليوناً سنوياً.

ويرى بيضون أن معالجة أزمة الكهرباء تتطلب اعتماد لامركزية الإنتاج والتوزيع، عبر إنشاء مناطق كهربائية محلية تديرها البلديات الكبرى واتحاداتها بالتعاون مع القطاع الخاص، على غرار نموذج كهرباء زحلة الذي يصفه بأنه ناجح تقنياً في ضبط الشبكة ومنع التعديات، مع إشارته إلى ملاحظات تتعلق بالمبالغ التي تُجبى من المشتركين.

ويقدّر أن مبادرات الأفراد والمصانع والمؤسسات العامة وفّرت نحو 1500 ميغاواط من الطاقة الشمسية (حوالى 35%)، في بلد يستفيد من الشمس قرابة 300 يوم سنوياً، معتبراً أن توفير نحو ثماني ساعات من الكهرباء الشمسية نهاراً يمكن أن يخفف العبء بصورة كبيرة عن مؤسسة كهرباء لبنان.

ولم يكن مشروع المحطات الشمسية محاولة منفردة لإنقاذ قطاع الكهرباء في لبنان، فمنذ سنوات، أطلقت الحكومات اللبنانية خططاً متعاقبة لإعادة هيكلة القطاع وزيادة الإنتاج وخفض الهدر وإصلاح مؤسسة كهرباء لبنان، لكن الفجوة بين الخطط وتنفيذها ظلت أحد أكثر سمات الأزمة استمرارية، في ظل استمرار المخاطر دون حلها، وهو ما تكشفه مقارنة دراستي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة عام 2017 بعنوان “تقليل مخاطر الاستثمار في الطاقة المتجددة في لبنان” والتحديث الذي أصدره البرنامج في يناير 2026، وجاء فيه  تدهور واضح في بيئة تمويل مشروعات الطاقة المتجددة في لبنان.

ففي دراسة 2017، قُدرت تكلفة حقوق الملكية بـ 16% وتكلفة الدين بـ 9% لمشروعات الرياح والطاقة الشمسية، مقابل ارتفاع تكلفة حقوق الملكية في عام 2026 إلى 26% والدين إلى 13%. وبينما سلطت الدراسة الأولى الضوء على أن أبرز عوائق الطاقة المتجددة في لبنان تتمثل في مشاكل سوق الكهرباء وضعف البنية التحتية للشبكة والمخاطر السياسية باعتبارها أبرز العوامل التي ترفع تكلفة التمويل، تعيد الدراسة الجديدة الحديث عن استمرار المعوقات نفسها إلى جانب التصاريح وعدم توافر العملة الصعبة.

ليس هذا فحسب، فقد خلص تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش صدر في مارس/آذار 2023، بعنوان “كأنك عم تقطع الحياة: تقاعس لبنان عن ضمان الحق في الكهرباء”، استناداً إلى مسح شمل 1,209 أسر، وأُجري بين نوفمبر/تشرين الثاني 2021 ويناير 2022، إلى أن مولدات الديزل الخاصة أصبحت المصدر الرئيسي لتغطية انقطاع الكهرباء، وأن فاتورتها تلتهم في المتوسط 44% من دخل الأسرة الشهري، وترتفع إلى 88% لدى أفقر 20% من الأسر، وأن 75% ممن لم يحصلوا على كهرباء المولد قالوا إن السبب عدم القدرة على تحمل تكلفتها.

والمفارقة أنه بينما تدخل محطات المشروع عامها العاشر من دون إنتاج حتى اللحظة الراهنة، يوضح تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بعنوان “لبنان: تقليل مخاطر الاستثمار في الطاقة المتجددة 2025″، صادر في يناير 2026، أن الطاقة الشمسية في لبنان شهدت توسعاً عبر التركيبات السكنية والتجارية الخاصة استجابة لأزمة الكهرباء، وأنها زادت خلال عامي 2022، و2023 من 1,253.98 ميغاواط في 2023، ثم نحو 1,400 ميغاواط في 2024، بما يقدر بـ 146 ميغاواط. وهو ما يعني أن زيادة استخدام الأفراد الخاص لألواح الطاقة الشمسية قارب حجم القدرة الانتاجية التي كان من المفترض أن تزيدها محطات المشروع التي لم تعمل بعد، بينما عجزت الحكومة اللبنانية عن تنفيذه.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع العربي الجديد