استجرار الكهرباء من قبرص: حل قديم يكرر إخفاقات الماضي الأليم؟

الكهرباء

أطلقت حكومتا قبرص ولبنان، بالتعاون مع البنك الدولي، دراسة جدوى أولية لتقييم إمكان ربط شبكتي الكهرباء بين البلدين.

ستُجرى الدراسة على مراحل، تبدأ بتقييم موازين العرض والطلب على الكهرباء وإجراء تحليل اقتصادي أولي، قبل الانتقال إلى دراسة جدوى فنية واقتصادية تفصيلية. وسيشكّل البلدان  لجنة توجيهية فنية مشتركة للإشراف على هذه المبادرة،  تعمل جنباً إلى جنب مع البنك الدولي.

أهداف الربط

يهدف الربط المقترح إلى تعزيز الترابط الإقليمي في مجال الطاقة، وتحسين أمن الطاقة، ودعم التنمية الاقتصادية المستدامة في شرق المتوسط، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي الأوسع في قطاع الطاقة.

من المتوقع أن ينقل الكابل نحو 500 ميغاواط، بما قد يؤمّن تغذية كهربائية تتراوح بين أربع وست ساعات يومياً. إلا أن هذا المشروع يثير جملة من المخاوف الداخلية المرتبطة بتنفيذ مشاريع كهربائية ضخمة قد لا تنسجم مع الواقع اللبناني، وقد تؤثر سلباً في ما يُعرف بـ”الأمن الطاقوي”.

التمويل المفقود

تُطرح حول المشروع تساؤلات مشروعة تتعلق بإمكانات التمويل. فكل ما تجبيه مؤسسة كهرباء لبنان اليوم من فواتير شهرية لا يكفي لتأمين ثمن المحروقات اللازمة لإنتاج نحو 650 ميغاواط، وهي كمية تقارب تلك التي يُعتزم شراؤها من قبرص. فكيف يمكن تأمين إيرادات مضاعفة لشراء الفيول والكهرباء معاً؟ أم أن المقصود هو أن يتوقف لبنان عن إنتاج الكهرباء محلياً لمصلحة شراء الكهرباء من قبرص؟

أما من حيث المضمون، فتبدو المشكلة أكبر بكثير. فمشروع شراء الكهرباء من قبرص لا يختلف جوهرياً عن مشاريع استجرار الغاز المصري لتشغيل معمل دير عمار، أو استجرار الكهرباء من الأردن، أو حتى عبر سوريا. والقاسم المشترك بين هذه المشاريع أنها تضع عربة تأمين الكهرباء أمام حصان معالجة الهدر الفني وغير الفني في الشبكة.

وفي ظل ارتفاع نسبة الهدر إلى أكثر من 50 في المئة، فإن مصير هذه المشاريع سيكون الفشل، إذ ستعجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تسديد الفواتير. ومع تمسك الحكومة برفض منح سلفات خزينة جديدة، سيكون عمر أي مشروع من هذا النوع قصيرًا.

حل أزمة الكهرباء، محلي

في الوقت الذي تدور فيه معظم الحلول حول استجرار الكهرباء من الخارج، لا يزال الحل الأمثل مغيباً، إما عن جهل وإما عن سوء نية. فلبنان، خلافاً لكثير من الآراء، ليس بحاجة إلى شراء الطاقة من الخارج، لسببين أساسيين:

  • الأول، أن حاجته الفعلية إلى الكهرباء لا تتجاوز 2000 ميغاواط، بعدما تجاوزت القدرة المنتجة فرديًا من مصادر الطاقة المتجددة 1500 ميغاواط، وهي مرشحة للارتفاع، وإن بوتيرة أبطأ. وبإمكان معمل حراري كبير واحد تأمين هذا الفارق بسهولة.
  • الثاني، أن لبنان يمتلك القدرة على توفير أكثر من 60% من حاجاته الكهربائية على مدار السنة من مصادر الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، فضلًا عن مشاريع طاقة الرياح التي لا يزال تنفيذها معلقًا في شمال البلاد.

بدلاً من الانشغال بمشاريع ترهن الأمن الطاقوي للخارج وتجعله عرضة للتقلبات السياسية، يبدو الأجدى إصلاح البنية الكهربائية محلياً على أسس سليمة. ويساعد على ذلك تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي يقع على عاتقها فتح القطاع أمام المنافسة، وتحفيز مشاريع الإنتاج الصغيرة والكبيرة، وتنظيم التوزيع، وجعله أكثر شفافية.

إلى جانب الدور المحوري للهيئة في تحرير قطاع الكهرباء، وضع قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة رقم 318/2023 إطاراً عملياً لتنظيم الإنتاج اللامركزي للطاقة وربطه بشبكة مؤسسة كهرباء لبنان. وينص القانون على اعتماد نظام التعداد الصافي (Net Metering) بمختلف أشكاله، بما يسمح للمشتركين باحتساب فائض الطاقة المنتجة وتعويضه.

كما يجيز هذا القانون اتفاقيات شراء الطاقة (Power Purchase Agreements – PPAs) داخل الموقع وخارجه، بما يتيح بيع وشراء الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة بين جهات القطاع الخاص وفق الضوابط القانونية، ويشجع تبادل الطاقة بين المنتجين والمستهلكين (Peer-to-Peer Energy Trading) ضمن الأطر التي يحددها القانون.

كذلك، يهدف القانون إلى زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والمساهمة في تحقيق أهداف لبنان في مجال الطاقة النظيفة، وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، بما ينسجم مع التزاماته في التنمية المستدامة ومكافحة تغير المناخ.

هذا القانون  الذي ظل تطبيقه معطلًا طوال السنوات الثلاث الماضية بسبب ربطه بوجود هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء، أصبح تطبيقه واجباً بعد تشكيل الهيئة وانطلاقها في ممارسة مهامها.

في المحصلة، لا تنقص أزمة الكهرباء في لبنان القوانين، ولا تعوقها القدرات المحلية، بل تنقصها الإرادة السياسية الجدية لتطبيق الإصلاحات، ووضع حل مستدام على أسس واضحة وسليمة، ينهي هذه الأزمة مرة واحدة ونهائياً.