في اللحظة الأولى على بدء الحرب الإيرانية، عمدت طهران لاستعمال أشد وسائلها غير القتالية فتكاً. لم تعدّ حتى العشرة لإغلاق هرمز أمام التجارة الدولية. اعتقدت أن حشر الولايات المتحدة وحلفائها في المضيق سيدفعها للخروج سريعاً من الحرب، بضغط من ارتفاع أسعار النفط. رفعت إيران سقف تحديها بـ”تفخيخ” ممرات القناة التي يعبر منها 20% من نفط العالم يومياً؛ تارةً بالألغام والزوارق الانتحارية، وطوراً بالرسوم الباهظة.
كلما اشتد الحصار على إيران، رفعت سقف تحديها، مراهنةً على صراخ أميركا أولاً في لعبة عض الأصابع الاقتصادية. لكن تسارع التطورات بدأ يطرح معادلة مختلفة: طهران تعاني من أزمة طاقة ومحروقات أكثر من أي دولة أخرى في العالم. والنفط الذي خنقته في هرمز قد يلتف حبله على عنقها، مدعوماً بنقص هائل بالإمداد، ودَين هائل، وتضخم من ثلاثة أرقام.
تجربة “كرمان” كادت تفجر الوضع
في 13 آب الحالي، استيقظت المحافظة الأكبر في جنوب شرقي البلاد على ارتفاع هائل بأسعار المحروقات. المسؤولون المحليون في محافظة كرمان قرروا اعتماد مشروع تجريبي لمواجهة نقص الإمدادات بالمحروقات المدعومة من الحكومة، والقضاء على السوق السوداء. فرفعوا سعر صفيحة البنزين من 300 ألف ريال (0.16 دولار) إلى نحو 17.44 مليون ريال (9.3 دولار).
المفاجأة لم تكن بالاعتراضات الشعبية التي اجتاحت المحافظة، إنما بتبرؤ الحكومة المركزية مما وصفته بـ”المشروع التجريبي”، وتوعدها، على لسان رئيس هيئة الطاقة الإيرانية إسماعيل صغاب أصفهاني، بمحاسبة المسؤولين.
جوهر المشكلة
التبرؤ الرسمي من رفع الدعم عن المحروقات في كرمان لا يعني عدم وجود مشكلة على امتداد مساحة إيران، أو أن الأسعار ستبقى مدعومة، هذا إن لم نقل “معدومة”، حيث لا يتجاوز سعر الصفيحة المدعومة 16 سنتاً، فيما يبلغ سعر غير المدعومة فوق الحصة المحددة 54 سنتاً.
العكس تماماً، فإيران تواجه شحاً بالمعروض النفطي يصل إلى 23 مليون ليتر من البنزين يومياً، وهو الفرق بين متوسط الاستهلاك اليومي المقدر بـ135 مليون ليتر، وما تنتجه المصافي المحلية بقدرة 112 مليون ليتر. والفرق بينهما يُغطّى من خلال الواردات والاحتياطيات الاستراتيجية.
الفرق بين ما تنتجه إيران وتستهلكه يكلف الحكومة 4.5 مليار دولار سنوياً، بحسب صغاب أصفهاني. وفي ظل الحصار المفروض على إيران استيراداً وتصديراً، والشح الكبير في الموارد المالية، وجدت الحكومة نفسها أمام واحد من خيارين: إما توسيع طاقة التكرير المحلية لتغطية هذا العجز، وإما تخفيض الاستهلاك.
محدودية الخيارات
الخيار الأول سقط سريعاً، فهو يتطلب استثماراً يُقدّر بما بين 13 و30 مليار دولار، وتحويل جزء كبير من النفط الخام ومكثفات الغاز المُخصصة حالياً للتصدير للاستهلاك الداخلي. كما أن هذا الخيار يعتبر غير عادل اجتماعياً، حيث إن 47% من الأسر الإيرانية لا تمتلك سيارة خاصة، مما يؤدي إلى حصول الأسر التي تمتلك سيارات على حصة غير متناسبة من دعم الوقود الوطني.
وعليه، يجري العمل على الخيار الثاني، والذي ينص على تخفيض الاستهلاك إلى 120 مليون ليتر يومياً من البنزين. وأهمية هذا الخيار أنه لا يضغط على الاستهلاك فحسب، إنما يحد من ازدياده، حيث تشير الاتجاهات الحالية إلى أن الاستهلاك اليومي قد يرتفع إلى ما بين 139 و144 مليون لتر بحلول نهاية العام، وربما يتجاوز 150 مليون لتر خلال السنوات الأخيرة من ولاية مسعود بيزشكيان.
كيفية تخفيض الطلب
للوصول إلى المعادلة الذهبية بالنسبة للنظام الإيراني، سيتم اعتماد ثلاثة سيناريوهات رئيسية بحسب صغاب أصفهاني، وهي:
- تحديد سقف العرض عند مستويات الإنتاج، وجعل إمدادات البنزين عند مستوى إنتاج المصافي المحلية الحالي دون تغيير الأسعار.
- توزيع إنتاج المصافي على المركبات، فيتم تقنين 120 مليون لتر من الإنتاج المحلي على المركبات المسجلة، مع اشتراط شراء الاستهلاك الذي يتجاوز الحصة المخصصة بأسعار السوق المفتوحة.
- التخصيص بناءً على المواطنين، حيث يتم تخصيص جزء من الإنتاج اليومي لوسائل النقل العام، مع توزيع الباقي بالتساوي على جميع المواطنين، بدلاً من ربط الدعم بملكية المركبات فقط.
أحلى الخيارات مرّ
المشكلة أن أحلى هذه الخيارات مرّ بالنسبة للنظام في طهران، فتحديد سقف العرض دون تغيير الاسعار يؤدي إلى فقدان المادة واستمرار بيع البنزين في السوق السوداء بسعر يتجاوز 12 دولاراً للصفيحة، واستمرار طوابير طويلة أمام المحطات. أما الخيار الثاني، فهو الإطار الذي سبق تطبيقه في كرمان وأشعل موجة احتجاجات شعبية، فيما الخيار الثالث معقد وغير عملي.
صحيح أن القرار السياسي النهائي فيما خص الآلية التي ستتبع ما زال قيد المراجعة، لكنه على الاكيد لن يلاقي القبول الشعبي. فالشعب الايراني ليس معتاداً على سعر زهيد للمحروقات فحسب، إنما غير قادر على تحمل أي زيادة، ففي ظل حد أدنى للاجور لا يتجاوز 100 دولار، فإن اعتماد سعر السوق لن يكون كافياً لشراء 4 صفائح بالنسبة للأفراد. أما بالنسبة للشركات والمؤسسات، فهو سيؤدي إلى موجة هائلة من ارتفاع الاسعار، التي تتجاوز تلك المحققة محلياً بنسبة 88% بأضعاف مضاعفة. وفي ظل الانكماش الاقتصادي، فإن ارتفاع الاسعار وتغيرها بشكل يومي نتيجة التبدلات في اسعار الصرف سيكون محفزاً لإقفال المتاجر، وفقدان السلع، وعجز المواطنين عن شراء أبسط الحاجات، مما يفاقم النقمة الشعبية على النظام، ويدفع إلى تحركات قد تكون السيطرة عليها صعبة.
حفرت إيران لاميركا حفرة هرمز لإيقاعها في أزمة نفط عميقة، فهل تكون طهران أول ضحايا هذه الحفرة ؟
