عاد ” المصنع ” إلى العمل.. فهل تعود الصادرات إلى سابق عهدها؟

المصنع

أمّا وقد عاد معبر المصنع البري إلى الخدمة الفعلية، ميسّراً عبور البضائع اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية، ومنها إلى بقية الدول العربية، فإن تعظيم الاستفادة من هذه الخطوة يتطلب العمل على خط، إن لم نقل خطوطاً، موازية.

منذ العام 2021، تاريخ وقف السعودية وبعض الدول العربية الاستيراد من لبنان، أخذت البنية التصديرية اللوجستية بالتراجع تدريجياً. وممّا فاقم المشاكل الداخلية، عرقلة النظام السوري السابق مرور الشاحنات عبر أراضيه إلى الأردن والعراق، وفرض رسوم عبور باهظة تجاوزت 5000 دولار على الشاحنة. ولم يكد المصدرون يتنفسون الصعداء بعد سقوط نظام الأسد في العام 2024، حتى قطع القصف الإسرائيلي أغلبية المعابر البرية الحدودية، وفاقم الضغوط على القطاعات الإنتاجية.

معوقات التصدير

هذه “النزلات” المتتالية من المصائب، التي بدت لوهلة عصيّة على الحل، أصابت قطاع التصدير الخارجي بـ”الوهن العضلي”. المصدرون اعتكفوا عن تجديد أسطولهم البري، وعدد منهم باع شاحناته، أو حوّل استخدامها إلى مجالات أخرى، ولا سيّما النقل الداخلي. فانخفض العدد من نحو 1000 شاحنة مخصصة للتصدير الخارجي إلى نحو 250 شاحنة راهناً. وباستثناء معبر المصنع، الذي أُعيد افتتاحه سريعاً، فإن بقية المعابر الحدودية بقيت مقفلة بشكل كلي، ولم تجرِ أي عملية إعادة تأهيل محلية لها. وخسر بعض المصدرين أسواقهم في الدول العربية، وتحولوا عنها إلى وجهات أخرى.

عودة التصدير إلى السعودية وضعت قطاع التصدير اللبناني أمام تحدٍّ كبير. و”استعادة عافيته تتطلب عملية إعادة تأهيل تشبه إلى حدٍّ كبير المعالجة الفيزيائية Physiotherapy للمصابين بالوهن العضلي”، يقول أحد المصدرين، على أن تبدأ جلسات المعالجة من الأسهل إلى الأصعب.

إجراءات سريعة

أولى الخطوات التي يمكن تحقيق خرق سريع وفعّال فيها تتمثل في أمرين أساسيين:

  • تخفيض الجمارك المفروضة على استيراد الشاحنات المبرّدة، وتمديد عمر الشاحنات المسموح باستيرادها من 6 سنوات إلى 10 سنوات.
  • الطلب من الدول المستوردة تمديد العمر التشغيلي للشاحنات من 20 إلى 23 سنة.

وبرأي أوساط المصدرين، تسمح هاتان الخطوتان بزيادة أسطول النقل البري بنسبة تراوح بين 20 و30 في المئة سريعاً، وبالتالي رفع العدد إلى نحو 500 شاحنة. وهو ما ينعكس إيجاباً على تسريع عمليات التصدير والاستفادة القصوى من السوق السعودية.

الخطوة الثانية تتمثل في السماح بتسجيل الشاحنات المعدّة للتصدير الخارجي، إذ إن كلفة الرخصة تكون أٌل بكثير من تلك المخصصة للنقل العمومي.

الخطوة الثالثة تتمثل في تبسيط المعاملات الجمركية على معبر المصنع. فإرسال البيانات إلى الجمارك للحصول على الموافقة يتطلب الكثير من الوقت، ما يعيق عملية التصدير ويؤخر حركة الشاحنات.

الخطوة الرابعة تكمن في زيادة عدد أجهزة الكشف بالسكانر على معبر المصنع، وتحديداً في أوقات الذروة، خصوصاً أن كمية الصادرات قد تتجاوز 200 شاحنة يومياً، وفي هذه الحالة لا يكون جهاز سكانر واحد قادراً على استيعاب هذه الكمية.

تأهيل المعابر الحدودية

الخطوة الخامسة والأساسية تتمثل في إعادة تأهيل المعابر الحدودية. صحيح أن المصنع يمثل نحو 70 في المئة من التصدير البري، إلا أن بقية المعابر تمثل نحو 30 في المئة، ولا سيّما معبر العريضة. علماً أن أعمال إعادة التأهيل تتواصل على هذا المعبر بجهود المؤسسة السورية للبناء والتشييد، حيث بلغت نسبة الإنجاز نحو 65 في المئة، بهدف تعزيز البنية التحتية وتسهيل حركة العبور، وبالتالي تزويده بأجهزة السكانر.

وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني، الذي كان قد وعد خلال افتتاح معبر المصنع، بحضور السفير السعودي، بتفعيل هذه الخطوات بشكل سريع، أكد أن الحكومة تعمل على تطوير قطاع الجمارك والمعابر الحدودية. وأعلن أن معبر العبودية سيُعاد افتتاحه خلال أسابيع لتخفيف الضغط عن معبر المصنع، الذي يشهد حركة كثيفة، فيما أُنجز المخطط التوجيهي الجديد للمصنع بكلفة تقديرية تبلغ 61 مليون دولار، ويتضمن مسارات حديثة ومنفصلة للشاحنات والحافلات والركاب، ومن المتوقع أن يستغرق تنفيذه نحو ثلاث سنوات بعد تأمين التمويل.

كما شدد رسامني على ضرورة تطوير الممرات والنقل الإقليمي وتعزيز موقع لبنان ضمن شبكات النقل العربية، داعياً السعودية والدول الصديقة والقطاع الخاص إلى الاستثمار في المشاريع الحيوية، ومؤكداً أن استعادة الثقة العربية بلبنان تتطلب إصلاحات وإنجازات ملموسة.

فتح المعابر على المنافسة

إن كانت الدولة عاجزة عن تطوير المعابر وتزويدها بأجهزة السكانر بشكل سريع، فإن أسرع طريقة للاستفادة منها تتمثل في فتحها أمام الاستثمار الخاص. فهناك بين لبنان وسوريا خمسة معابر أساسية، وهي:

  • المصنع – جديدة يابوس: وهو الأهم للصادرات المتجهة إلى دمشق، ثم الأردن والخليج.
  • العبودية – الدبوسية: وهو مهم للتصدير عبر المنفذ الشمالي.
  • العريضة: وهو معبر ساحلي شمالي.
  • الجوسية – القصير: وهو مهم للبقاع وحمص.
  • وادي خالد – تل كلخ: ويخدم الحركة المحلية والتجارية.

من الممكن فتح هذه المعابر أمام الاستثمار الخاص وفق نظام BOT، وبموجب أعلى المعايير، بما يسهل الحركة التجارية ويعيد ربط لبنان بالأسواق الخارجية.

على المدى البعيد، فإن الاستفادة من التصدير تتطلب حوافز للمصدرين، وتخفيض الكلفة، وفتح أسواق خارجية جديدة. لكن هذا موضوع آخر أكثر تعقيداً، ويكفي، في المرحلة الراهنة، القيام بالخطوات التي ذكرناها سابقاً حتى يلمس اللبنانيون الفرق خلال مهلة زمنية سريعة.