احذروا ما في أيديكم.. جهازكم الخليوي قد يعيدكم إلى “الطابور”

الخليوي

لا يوجد في العالم من لم يسمع بمعاناة لبنان مع التهريب الجمركي. وعادةً، لا يُشار في التقارير المحلية والدولية إلى هذه المشكلة المستفحلة بشكل منفرد، بل تُلحَق دائماً بالتهرّب الضريبي. هاتان الآفتان، اللتان تشكلان وجهين لعملة الفساد المستشري الواحدة، ظلّتا لسنوات بعيدتين عن هموم المواطنين المباشرة؛ فهؤلاء لم يكونوا يرون فيهما مشكلة تمسّهم مباشرة، ما دام التهريب يتيح لهم في أحيان كثيرة شراء منتجات بأسعار أرخص. ولم تعكّر هذه المفارقة صفوهم إلا في حالات قليلة، كان آخرها ما برز حالياً الخليوي.

يتلقى عشرات آلاف المواطنين يوميًا إشعارات على هواتفهم الخليوية بضرورة تسديد الرسوم الجمركية عليها، تحت طائلة قطع الخدمة في مهلة أقصاها شهر. الأغلبية ممن تحمل جهاز خليوي ذكي نقلت الشريحة من SIM1 إلى SIM2 لإطالة المهلة، فيما خضع من لا تتوفر هذه الخاصية في هواتفهم، خانعين، لتسديد الرسوم عبر مكاتب البريد السريع، ليتفاجأوا بطوابير المواطنين المنتظرين دورهم للسبب نفسه. قلة فقط ممن اشتروا الهواتف من السوق المحلي توقفت للحظة وسألت عن ذنبها فيما يحصل، وما إذا كانت الرسوم على الهواتف من مسؤوليتها أم من مسؤولية من اشترت منه الجهاز.

عشرات آلاف الأجهزة غير المجمركة

تلقي الرسائل لم يقتصر على المواطنين الذين اشتروا الجهاز الخليوي من الخارج، أو تلقوه كهدية من ذويهم القادمين من دول الاغتراب. ولو اقتصرت عليهم، لكان الأمر مفهوماً. إنما الرسائل طالت شريحة واسعة من المستهلكين الذين اشتروا أجهزتهم الخلوية من محال الـCellular  المنتشرة بشكل هائل في مختلف الأسواق والمناطق. وبعض هؤلاء المستهلكين اشتراها بالسعر المرتفع المتضمن الرسم الجمركي، ولم يتوجهوا إلى بعض الأسماء المتداولة والمحددة غالباً مناطقياً، التي تبيع البضائع المهربة.

القرار بضرورة “الجمركة” إذاً طال الجميع، حتى الشريحة التي دفعت أصلاً ثمناً للجهاز الخليوي يتضمن الرسم الجمركي. وتقدّر نقابة العاملين في قطاع الخليوي والاتصالات في لبنان عدد الأجهزة غير المجمركة التي دخلت الأسواق وبِيعت من دون تسديد الرسوم الجمركية عليها بنحو 215 ألف جهاز. وهو ما يعني، بحسب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي، “فضيحة مكتملة الأوصاف والعناصر”، ذات أبعاد ثلاثة: أخلاقية، ومهنية، ومالية.

المواطنون تحمّلوا من مالهم ووقتهم كلفة تصحيح خطأ لم يرتكبوه، لتسيير أمورهم والهروب من الإجراءات البيروقراطية المصاحبة للدعاوى القضائية ومساءلة الجهات المعنية. هذا من الناحية الأخلاقية. أما مهنياً، فإن عشرات آلاف الأجهزة المهربة تدل على مشكلة خطيرة في المعابر الحدودية ومنظومة متكاملة من الفساد. وتكبر الخطورة مالياً إذا أخذنا في الاعتبار أن عدم تسديد الرسوم على أكثر من 215 ألف جهاز خلوي فوّت على الخزينة إيرادات تتجاوز 50 مليون دولار.

المشكلة مستعصية

قضية الأجهزة الخليوية أعادت سريعاً إلى الأذهان ما حصل مطلع الألفية. ففي العام 2002، عندما خرج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة “غافي”، وهو الاسم الذي كان يُطلق سابقاً على مجموعة العمل المالي “فاتف”، كان قد استوفى 23 معياراً من أصل 24 معياراً. وكان المعيار الوحيد الذي عجز عن تنفيذه هو الحد من التهرب الضريبي. وكان إنشاء هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، ورفع التحفظات عن انضمام لبنان إلى اتفاقية فيينا، وغيرها من الشروط، أسهل بما لا يقاس من معالجة التهرب الضريبي.

ما الحل؟

منذ 2002 وحتى اليوم، فشلت محاولات ضبط المرافق الحدودية في منع التهريب الجمركي، ما يعني أن الإجراءات البوليسية وحدها ليست حلاً عملياً ومستداماً. ونظرة سريعة إلى الأرقام تظهر حجم مشكلة التهريب الجمركي في لبنان. ففي العام 2024، مثلًا، بلغت قيمة الواردات نحو 17 مليار دولار، فيما لم تتجاوز الإيرادات من الرسوم الجمركية 550 مليون دولار. أي إن الإيرادات الجمركية لم تمثل سوى نحو 3% من قيمة الواردات، في حين أن أقل رسم جمركي معتمد في لبنان يبلغ 5%، ويمكن أن يصل إلى 25 و30% على بعض المنتجات.

الإشكالية الأساسية التي يواجهها لبنان تكمن في أن الرسوم الجمركية المفروضة على الاقتصاد الشرعي تثقل كاهله بشكل كبير، وتجعل أسعار السلع النظامية أعلى من أسعار السلع التي تدخل السوق تهريباً. والنتيجة الطبيعية هي اتساع الفارق بين الاقتصاد الشرعي وغير الشرعي، وتشجيع نمو الأخير على حساب الأول.

انطلاقاً من ذلك، يكمن الحل في اعتماد ضريبة جمركية موحدة وعادلة على أوسع نطاق ممكن من السلع. فكلما انخفضت كلفة الالتزام بالقانون، تراجعت الحوافز إلى التهرب، وأصبحت كلفة المخاطرة بالتهريب أعلى من كلفة دفع الرسم الجمركي المستحق. وقد يكون اعتماد رسم موحد يتراوح بين 5 و7%، إذا أثبتت الدراسات المالية والاقتصادية ملاءمته، نقطة انطلاق جدية لإعادة النظر في النظام الجمركي الحالي، بما يساهم في الحد من التهريب وزيادة الإيرادات الفعلية للخزينة.

هذا النظام، المعروف بـ الضريبة المسطحة، يمكن أن يحقق قدراً أكبر من العدالة بين المستوردين والتجار، كما يؤمن مورداً أكثر استقراراً وانتظاماً للخزينة، يساعد الدولة على تمويل إنفاقها وتلبية احتياجات المواطنين. والأهم أنه يساهم في معالجة الاختلال القائم بين الاقتصاد الشرعي والاقتصاد غير الشرعي، ويعزز تحصيل إيرادات عادلة من الواردات، من دون استثناءات وتعقيدات تفتح أبواب التهرب والفساد.

تتعدد المشاكل، والنتيجة واحدة: فشل إداري واعتماد حلول جزئية بدل الحلول الجريئة، ما يحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد الطوابير؛ بالأمس على المحروقات، واليوم على الهواتف، وغداً على موضوع جديد. والطوابير ستطول ما لم تُتخذ قرارات تعالج أصل المشكلة، لا أعراضها.