“خُذ وطالب” يُبقي دوامة الأجور والتضخم مفتوحة على مزيد من الزيادات

الأجور

تعمل النقابات وتجمعات الموظفين، باختلاف أسمائها وتصنيفاتها والدول التي انتمت إليها، وفقاً للشعار الأزلي: “خذ وطالب”. وكما يمكن الاستدلال من الشعار، فإنه كلما حققت مكسباً، طالبت بمكاسب إضافية. لا تعنيها الظروف الاقتصادية أو القدرة الفعلية على تلبية مطالبها، وهذا قد يكون من حقها. ففي لبنان تتلطى خلف شعارات كبيرة، كمكافحة الفساد، والحد من الهدر، وملاحقة السارقين، ووقف التهرب الضريبي، واسترداد الأموال.. وغيرها الكثير من علل البلاد، لتبرير إمكانية رفع الأجور من دون إرهاق الاقتصاد والمواطنين. لكن، هل هذا ما يحصل فعلياً؟

بعد أقل من نصف عام على نيل الموظفين والمتقاعدين 6 رواتب إضافية، رفعت مجموع ما يتقاضونه إلى 19 راتباً (عدا بدل الانتاجية والحوافز)، عادوا للمطالبة بـ11 راتباً تضاف قبل إقفال العام الحالي. العسكريون المتقاعدون أقفلوا الطرقات، وموظفو الإدارة العامة أعلنوا عن توقف العمل يوم الجمعة من كل أسبوع، إضافة إلى يوم آخر يحدد بحسب الظروف. في المقابل تعهد نائب رئيس الحكومة بنقل المطالبات إلى مجلس الوزراء لدراستها، بعد اجتماعه مع ممثلي قدامى العسكريين.

مقاربة الحكومة للأجور

لا يمكن فصل ما يجري عن المسارين العريضين اللذين يحددان توجهات الحكومة:

  • الأول يتمثل بـ”الإطار المالي متوسط الأجل” لغاية عام 2030، الذي تضمنته موازنة 2027، والذي يقدر الزيادة على كلفة الموظفين بنحو 4.8% فقط سنوياً، في حين أن الزيادات المطالب بها تفوق هذا الرقم بأشواط. وعليه فإن أي زيادات ستكون من خارج هذا الإطار وتعرّض الاستقرار للاهتزاز.
  • الثاني هو ربط تأمين أي زيادة جديدة على الأجور أو بدل النقل بموارد جديدة، نظراً لكون الحكومة تعتمد “الانضباط المالي”، على حد وصف وزير المالية ياسين جابر، الذي تتمثل ركيزته الأساسية في “موازنة متوازنة تضمن الاستقرارين المالي والنقدي”. ومن دون العودة كثيراً إلى الوراء، فإن الرواتب الستة التي نالها موظفو القطاع العام تم تأمينها من إضافة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، والتعهد برفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%، ورفع الرسم على الحاويات في المرفأ. وهذه الجراءات خير مثال.

كلفة الموظفين

رغم “الانضباط المالي”، سيظل الموظفون بمختلف مسمياتهم يستحصلون على ما بين 54% و60% من مجموع النفقات في الموازنات لغاية 2030، مقارنة بمتوسط عالمي لا يتجاوز 20%، بحسب صندوق النقد الدولي. وهو ما يقودنا إلى أن المشكلة ليست في حجم ما يخصص للموظفين، وإنما في توزعه على أعداد أكبر بكثير من المنطق والحاجة الفعلية. وعليه، كلما تقلصت أعداد الموظفين، لا يصبح بالإمكان رفع متوسط الرواتب من دون زيادة موازية في إجمالي فاتورة الأجور فحسب، إنما أيضا تقليصها.

إصلاح القطاع العام

الوصول إلى المعادلة العادلة “لا يمكن أن يتم من دون إصلاح جدي للقطاع العام. وذلك على الرغم من “توفر القدرة التمويلية لأي زيادة على الرواتب من حساب الخزينة في مصرف لبنان البالغ 10.2 مليار دولار، وتحقيق الموازنة منذ 2024 زيادات فعلية في الإيرادات”، بحسب عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، د. أنيس بودياب. “لكن الاستعانة بالفوائض المحققة، في ظل سيطرة الاحتكارات، سترفع التضخم، بمعزل عن ارتفاع حجم الطلب الفعلي”. وبالتالي، ما سيُعطى باليد اليمنى من زيادات على الرواتب، سيؤخذ باليد اليسرى أضعافاً مضاعفة، ونبقى ندور في الحلقة المفرغة نفسها.

الحل يكمن في التخفف من “جيش” الموظفين العاطلين عن العمل، وإصلاح أنظمة التقاعد والترقيات، ولا سيما في الأسلاك العسكرية، وإقرار التوصيف الوظيفي، وإقفال المؤسسات التي لم يعد لوجودها أي مبرر، وفتح القطاعات المحتكرة، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والترفيه، على المنافسة، ما يصغر حجم المؤسسات الحكومية ويحسن، في الوقت نفسه، جودة الخدمات والأسعار.

الأجور
توزيع الاعتمادات على الوزارات

نظرة سريعة إلى جدول الاعتمادات الموزعة على الأبواب في موازنة 2027 تعطي المثال التطبيقي عن الواقع. فوزارة التربية خُصص لها ثالث أكبر اعتماد بعد الدفاع والداخلية، بقيمة تجاوزت 720 مليون دولار، في حين أن ثلثي تلامذة لبنان خارج المدارس الرسمية والجامعة اللبنانية. أما موازنة وزارة الدفاع فوصلت إلى مليار و350 مليون دولار، معظمها يذهب إلى رواتب وتعويضات وخدمات صحية واستشفائية لما يقرب من 80 ألف عسكري. وكذلك الأمر بالنسبة إلى وزارة الداخلية، بموازنة تقارب 800 مليون دولار.

الوزارات الثلاث الدفاع، الداخلية والتربية استحوذت على 2.8 مليار دولار من أصل مجمل نفقات لا يتجاوز 6.9 مليارات، ولا أحد من موظفيها راضياً.

الإصلاحات على أهميتها تبقى محدودة الفعالية ما لم يتم العمل بمفهوم “الأجر الاجتماعي” برأي بودياب، فلا يكفي أن تزداد الرواتب، طالما أن المواطن يخسر الجزء الأكبر منها على خدمات يدفع ثمنها مرتين وثلاثة. فالأساس يكمن في تحسين القدرة الشرائية من خلال تأمين الخدمات الأساسية بأسعار منطقية، على غرار الكهرباء والمياه والمواصلات، فضلاً عن الضمان والطبابة، فتتحسن الأجور تلقائياً.

الإصلاح الضريبي

المطالبة بزيادات على الرواتب ستحتم، في ظل فائض الموظفين، فرض ضرائب على المواطنين، يؤكد الباحث محمد شمس الدين. وعود إلى البدء، فإن “جباية الأموال من الميسورين والأغنياء تتطلب تغيير النظام الضريبي برمته”، يضيف شمس الدين. فـ”في ظل النظام الضريبي الحالي، كل زيادة ستُعطى للموظفين سيتحملها المواطنون، ذلك ان النظام قائم على الضرائب غير المباشرة، وهو يستهدف الفقراء لا الأغنياء.

يتفق المعنيون بالشأن العام والمتابعون للتطورات الاقتصادية والنقدية والمالية على أن الوصول إلى أجور عادلة تضمن الحياة اللائقة للموظف لا يمكن أن يتم من دون إصلاحين بنيويين: إصلاح القطاع العام وإصلاح النظام الضريبي. ومن دونهما، سنبقى ندور في دوامة الأجور والتضخم إلى ما لا نهاية.