رئيسٌ جديد لـ” الكهرباء “.. وشرنقة “حايك” عصيّة على الاستئصال

الكهرباء

تباشير الخلاص من أزمة الكهرباء بدأت تلوح منذ فترة في أفق التعيينات الحكومية. فبعد تعيين الهيئة الناظمة للقطاع، المسؤولة عن تطبيق القانون 462، وتعيين مجلس إدارة جديد كفوء على رأس مؤسسة كهرباء لبنان، فَصَل مجلس الوزراء أخيراً بين رئاسة مجلس الإدارة والمدير العام، مُعيّناً رئيساً جديداً على رأس المؤسسة.

في جلسته المنعقدة بتاريخ 17 أيلول، عيّن مجلس الوزراء عضو مجلس الإدارة المهندس نسيب نصر رئيساً لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، بدلاً من كمال حايك، لكنه أبقى الأخير مديراً عاماً، بعدما جمع المنصبين منذ العام 2002.

تكريس للفشل

التعيين، على أهميته في تكريس استقلالية مجلس الإدارة وإبعاده عن تسلّط كمال حايك، أثار إشكاليتين:

الأولى في الشكل، وتتعلق بمخالفته للعرف المتبع في تعيينات “الكهرباء”، إذ أُسند منصبا رئيس مجلس الإدارة والمدير العام إلى شخصيتين من الطائفة نفسها. فعلى الرغم من أن المادة 95 من الدستور تنص على أن وظائف الفئة الأولى، أو ما يعادلها، تكون مناصفةً بين المسلمين والمسيحيين، من دون تخصيص أي وظيفة لطائفة بعينها، مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة، فقد تُرجمت هذه المناصفة عرفًا في مؤسسة كهرباء لبنان إلى توزيع المنصبين بين المسيحيين والمسلمين، بحيث تكون رئاسة مجلس الإدارة لشخصية مارونية والإدارة العامة لشخصية سنية. أما التعيين الأخير، فأبقى المنصبين في عهدة شخصيتين مارونيتين.

الثانية، والأهم في المضمون، تتعلق بالإبقاء على كمال حايك مديراً عاماً، ليس لتناقض طائفته مع العرف، أو بسبب شبهات الفساد الكثيرة التي طالته، إنما لسبب أبسط بكثير: فشله. فالحايك، الذي تسلّم مؤسسة تغذّي لبنان بالكهرباء 24/24 في العام 2002، حوّلها إلى “دكانة” منافع سياسية، وأوصلها بعد 22 عاماً إلى تغذية صفرية. وخلافاً للاتهامات والدعاوى، فإن التحقق من الفشل لا يتطلب حججاً وبراهين؛ فهو واضح لكل من يفتح عينيه.

التأسيس للتمديد

ولاية حايك كرئيسٍ متفرغٍ على رأس مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان كان يفترض أن تنتهي في العام 2005. لكنها استمرت بـ”المداهنة” حتى العام 2014، رغم خروج أكثرية أعضاء مجلس الإدارة. وبدلاً من فصل المركزين وتعيين رئيسٍ ومديرٍ جديدين، اتخذ مجلس الوزراء في ذلك العام قراراً مهّد لإبقاء كمال حايك مديراً عاماً، بتعيينه رئيساً متفرغًا لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، لمدة ثلاث سنوات، ومديراً عامًا لها. ويرى منسق سياسات الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المعهد اللبناني لدراسات السوق، غسان بيضون، أن هذا المرسوم هدف إلى ضمان بقاء الحايك في سدّة المسؤولية، حتى لو جرى تغييرٌ إداريٌّ بإعادة الفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام. وهذا ما حصل.

كل ذلك كان يترافق مع تعيين ستة أعضاء جدد لمجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، خلافاً للأصول التي تقضي بتعيين سبعة أعضاء، فيما حُفظ مركز المدير العام دائماً وأبداً لكمال حايك. من دون أن يكون ذلك بطبيعة الحال مكافأةٌ لنجاحاته في القطاع، بقدر ما يرتبط بملاءمته الأهواء السياسية. فحايك “يتلون” مع ألوان وزراء الطاقة، فـ”يكون أخضرَ وبرتقالياً وحتى أحمرَ”، يقول أحد المعاصرين لحقبته في مؤسسة الكهرباء. و”هو يوزع المنافع على السياسيين مباشرةً من خلال التوظيف السياسي وزيادة ساعات التغذية في الكهرباء لنطاق سكنهم، ويحفظ حصتهم من الصفقات عبر أزلامهم في الإدارات”.

الكيدية في التعامل

إن كان تعيين مجلس إدارة جديد لمؤسسة كهرباء لبنان و”قبع” حايك عن رئاسته أفضل من تركه رئيساً، فإن بقاءه مديراً عاماً من شأنه أن يطيل العرقلة. ولعل أبسط مثال على ذلك عدم تجديد العقد مع الشركة المشغّلة لمعملي الذوق والجية الجديدين لتشغيل المعامل، رغم توفّر الفيول (تم شراء الفيول بعد انتهاء العقد)، كما كان ينصّ الاتفاق، ورفضه في المقابل إجراء مناقصة لتلزيمهما من جديد. فالمبدأ الذي يعمل عليه حايك هو “الكيدية”، بحسب أحد المصادر المتابعة. الأمر الذي حرم الشبكة من 4 ساعات تغذية، أقله يومياً، وفاقم فاتورة المولدات الخاصة على العائلات التي تعاني أصلاً من تدنّي مداخيلها. وطال الإهمال أيضاً عدم إجراء الصيانة لمعملي السوق والجية القديمين، لتشغيلهما وزيادة ساعات التغذية.

عرقلة عمل مجلس الإدارة

خطورة إبقاء حايك لا تنحصر في العرقلة، إنما في معرفته العميقة بخبايا المؤسسة وسلطته المباشرة على جهاز الموظفين، كمدير عام تنفيذي. فمجلس الإدارة يأخذ القرارات ويحدّد التوجهات، إنما من ينفّذها هو المدير العام، وطالما كمال حايك مديراً عاماً، فإن شيئاً لن يُنفّذ بالطريقة الصحيحة، تضيف المصادر. ولا سيما أن حايك لديه خلافات مع  مجلس الإدارة المعيّن، وقد سبق له وحاول أن يعرقل خطة حوكمة الكهرباء التي أعدها مجلس الإدارة الجديد. ولعل من الأمور المهمة التي تضمنتها الخطة التوصية بالفصل بين منصبي رئيس مجلس الإدارة والمدير العام. وبإمكانه تأخير الإجراءات ونقل صورة مغايرة للواقع إلى مجلس الإدارة، والضغط على الموظفين.

المساءلة أقل الإيمان

لماذا التمديد لكمال حايك، رغم أن ولايته كان يجب أن تنتهي في العام 2020، بعد 18 سنة من التمديد؟ هذا هو السؤال الذي لا يملك أحد الإجابة المباشرة عليه، ويأخذ عادةً منحَيَيْن: التفكير بسوء نية لإبقاء مصالح العديد من القطاعات المرتبطة بالكهرباء، مثل مقدّمي الخدمات وشركات الصيانة وشركات المحروقات، ماشيةً ولا يمسّها شيء؛ وأما التفكير بإيجابية، فيأخذنا إلى خلاصة لا تقلّ سوءاً، وهي التبرير بأن المشكلة أكبر من كمال حايك، وتتصل بكل ما يجري من انهيارات اقتصادية ومعيشية ومالية. ولكن في الحالتين، أقلّ الإيمان هو المساءلة، وهذا لم يحصل. وما التمديد له سوى حماية له وعرقلة لإجراءات المساءلة والمحاسبة، نظراً إلى تطلّبها موافقة الوزير ومرورها بالعديد من الإجراءات التي يمكن العرقلة عندها.

في صناعة الحرير، التي لا تتشارك مع الكهرباء إلا بوجود “الأسلاك”، يُضطر الحرّار إلى خنق الشرنقة قبل أن تتحول اليرقة داخلها إلى فراشة تُثقب النسيج وتُمزّق غزل الدورة من الداخل. وفي ملف الكهرباء، كان حرياً بمجلس الوزراء أخذ هذه القاعدة القاسية بالاعتبار عند فتح ملف التعيينات. فالحفاظ على استقامة “أسلاك” الإصلاح كان يتطلب إقصاء كمال حايك، ومنعه من ثقب خطط النهوض وتقويضها من داخل المؤسسة نفسها.