ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة تناهز 50% منذ نهاية شباط الماضي، نتيجة اختلالات جيوسياسية متعددة أبرزها الحرب على إيران، وانعكس ذلك محلياً ارتفاعاً في سعر صفيحة البنزين بنسبة 60% وفي المازوت بنسبة وصلت إلى 75%. ويتجاوز هذا الارتفاع في لبنان وتيرة الارتفاع العالمي للنفط، إذ تدخل فيه عناصر إضافية كالنقل والتأمين والشحن، إضافة إلى ضرائب ورسوم تبلغ وحدها ما بين ثمانية وعشرة دولارات على كل صفيحة بنزين، لترتفع كلفة الصفيحة إلى نحو 30 دولاراً.
وتتجاوز تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات كلفة استخدام السيارات، لتطال مختلف السلع والخدمات، وبخاصة فاتورتي الكهرباء والمياه المرتبطتين بشكل مباشر بارتفاع أسعار المازوت نظراً للاعتماد الكبير على المولدات الخاصة لإنتاج الطاقة. ويفتقر المواطن اللبناني إلى أي بدائل حقيقية، إذ يبقى مضطراً لاستخدام سيارته الخاصة لغياب النقل العام، ومضطراً أيضاً للاعتماد على المولدات لغياب مصادر كهرباء بديلة موثوقة. ويستهلك لبنان شهرياً نحو 500 ألف صفيحة مازوت وحوالي 400 ألف صفيحة بنزين، ولم ينخفض هذا الاستهلاك سوى بنسبة تتراوح بين 15 و20% رغم الارتفاعات الحادة في الأسعار، في حين كان يُفترض أن ينخفض بمقدار النصف في الظروف الطبيعية.
وارتفعت كلفة النقل بالسيارات الخاصة العاملة كنقل عام بنسبة 100% تقريباً، فيما تضاعفت فاتورة المولدات الخاصة من 50 سنتاً إلى ما يزيد على الدولار للكيلوواط الساعة. ويعود هذا الارتفاع الحاد جزئياً إلى تراجع اعتماد عدد من المشتركين على المولدات بعد تركيب أنظمة طاقة شمسية خاصة، ما دفع أصحاب المولدات إلى رفع التعرفة تعويضاً عن تراجع العائد. وبلغ معدل الطاقة الشمسية المركبة في لبنان نحو 1500 ميغاواط من أصل حاجة تقدر بـ3500 ميغاواط، إلا أن معظم هذه الأنظمة خاصة وغير مرتبطة بشبكة تبادل طاقوي عامة، باستثناء مناطق محدودة بدأت تتجه نحو محطات طاقة شمسية عامة لتزويد السكان.
ولا تتجاوز قدرة كهرباء لبنان على الإنتاج 400 إلى 500 ميغاواط كحد أقصى، ما يبقي الاعتماد على المولدات الخاصة مرتفعاً وكلفة الطاقة عبئاً يفوق قدرة المواطنين، إذ لا يتجاوز متوسط الأجور 700 دولار شهرياً بينما تصل فاتورة المولد وحدها إلى 100 دولار وفاتورة الكهرباء إلى 40 دولاراً على الأقل. وتستدعي هذه المعطيات إصلاحاً جذرياً وعاجلاً لقطاع الطاقة عبر تفعيل الهيئة الناظمة وتطبيق قانون الطاقة المتجددة، لتأمين كهرباء بكلفة معقولة وجودة عالية لجميع المواطنين. وتحول ضعف البنية التحتية للكهرباء والإنترنت دون اعتماد العمل عن بُعد في لبنان، ما يدفع عدداً متزايداً من اللبنانيين إلى الهجرة نحو دول كتركيا وجورجيا بحثاً عن خدمة إنترنت أرخص وأكفأ للعمل مع شركات أجنبية.