المازوت المفقود: سوقٌ محتكرة وحلولٌ ملتبسة

المازوت

خلافًا للمثل القائل: “الضربة التي لا تقتلك تقويك”، فإن تلاحق الضربات الاقتصادية وتراكمها يسببان أضراراً جسيمة للبلاد والعباد. لم يكد اللبنانيون يتنفسون الصعداء على إثر توقف الدعم عن المحروقات، حتى عادت الأزمة لتطل برأسها من بوابة الاحتكار. فُقدت مادة المازوت من الأسواق في وقت تشتد فيه الحاجة إلى تشغيل المولدات الخاصة، نظرًا لانعدام الكهرباء، وري المزروعات، وحفظها في البرادات. ظهرت الأزمة في البقاع، وامتدت سريعًا إلى كل لبنان، مهددة بنتائج خطيرة.

بالتزامن مع عودة الضربات الأميركية على إيران، واستئناف النفط صعوده، انقطع المازوت في لبنان. “الشركات المستوردة شمت رائحة ارتفاعات في الأسعار، فأحجمت عن تسليم الموزعين والمحطات”، يقول رئيس اتحاد الفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي، “مما يتيح لها تحقيق أرباحٍ أكبر من الكميات المخزنة، المشتراة بأسعارٍ أرخص، مع صدور كل تسعيرة، مرةً أو مرتين أسبوعياً.”

الكارتيل مثل “المنشار”

يعمل كارتيل المازوت كـ”المنشار”، برأي رئيس اتحاد الفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي، إذ “يحقق الأرباح فوراً عند صعود الأسعار، تحت تهديد التوقف عن التسليم، ولا يخفضها عند تراجع الأسعار عالمياً، بانتظار تصريف البضائع المشتراة بأسعارٍ مرتفعة. وفي حال لم يكن التجاوب سريعاً في حالات التذبذب، كتلك الحاصلة مؤخراً، يعمد إلى تقليص العرض بانتظار جلاء الأمور”. كل ذلك يحصل بمعزل عن متغيرين اثنين:

  • مصلحة المزارع، والصناعي، وحتى المواطن العادي.
  • نأي الدولة بنفسها، ليس عن التدخل في السوق بوصفها تاجراً، كما يطالب البعض، وإنما عن منع الاحتكار وتطبيق القوانين الرادعة، وآخرها قانونا المنافسة وحماية المستهلك الصادران أخيراً.

المفارقة أن المازوت غير المتوفر بالسعر الرسمي، المحدد من وزارة الطاقة بحوالي 19 دولاراً للصفيحة، يصبح فجأة متوفراً بسعر 25 دولاراً وما فوق، وفي محطاتٍ محددة، غالباً ما تكون تابعةً للشركة المستوردة. أليس هذا سوقاً سوداء ناتجةً عن الاحتكار؟ وهل يمكن أن نبقى مختبئين خلف إصبعنا، بأن سوق المحروقات في لبنان حرة وشفافة وتنافسية؟

بحسب آخر الأرقام، فإن ثلاث شركات لاستيراد وتوزيع المحروقات تستحوذ على أكثر من 55% من سوق المازوت في لبنان، وهو ما يظهر تركيزاً كبيراً، وقدرةً على التحكم بالعرض، وبالتالي بالأسعار. ومع ارتفاع الطلب على المازوت، نتيجة تراجع تغذية مؤسسة كهرباء لبنان، وعودة النشاط الصناعي، وانطلاق الموسم الزراعي، وجد المستوردون فرصةً لتحقيق أرباحٍ إضافية، فقلصوا العرض وارتفعت الأسعار.

حجة المستوردين

من وجهة نظر أخرى، فإن العوامل الآنفة الذكر المتعلقة بارتفاع الطلب تقابلها حالة شحٍّ في العرض، ليس بسبب الاحتكار، إنما نتيجة تخفيض استيراد المازوت في الفترة الماضية، تفيد أوساط المستوردين. فمع تراجع أسعار النفط عالمياً، بقيت أسعار المشتقات النفطية، ومنها المازوت، مرتفعة. لذلك فضّل المستوردون تخفيف الاستيراد ريثما يستقر السوق، إذ إن تراجع التسعيرة الرسمية من 29 دولاراً للصفيحة إلى 19 دولاراً كبّدهم خسائر كبيرة. ومنذ تجدد الصراع العسكري مع إيران قبل عشرة أيام، عادت الصعوبات في تحميل الناقلات وإيصالها في الأوقات المحددة، ما عمّق انقطاع مادة المازوت في السوق اللبنانية. وبرأي المصادر، فإن الكميات الموزعة في شهر تموز محسوبة على أساس كميات الاستهلاك في حزيران. ونظراً إلى ارتفاع الطلب أكثر من المتوقع، أصبحت الكميات غير كافية.

انطلاقاً من هذا المنطق، يبرز تساؤل وتحذير.

لماذا لم تنقطع مادة البنزين، واقتصر الأمر على المازوت، مع العلم أن الطلب على المادتين متقارب جداً في أوقات الذروة؟ بالأرقام، يستهلك لبنان نحو 10 ملايين ليتر (500 ألف صفيحة) من المازوت يومياً، مقارنةً مع 8 ملايين ليتر (400 ألف صفيحة) من البنزين. ويفترض أن يكون الطلب على البنزين قد ارتفع أيضاً خلال هذا الشهر، مع عودة المغتربين والتنقل بين المناطق بشكلٍ أكبر.

هذا فيما يتعلق بالسؤال. أما التحذير، فيتعلق بدعوة الدولة إلى استيراد المحروقات، ولا سيما المازوت، والمنافسة في السوق. إلا أنه، عدا عن فشل هذه التجربة خلال أزمة المحروقات بين عامي 2020 و2021، فإن تاريخ الدولة في التجارة لا يقل احتكاراً عن بعض القطاع الخاص. وبدلاً من تعزيز المنافسة، تصبح الدولة محتكراً ثانياً، فنخرج من الاحتكار الأحادي (المونوبول) إلى الاحتكار الثنائي (الديوبول).

وعدا هذا الخطر الماثل دائماً، هناك عدة تحديات لوجستية تحول دون هذه المهمة، ولا تقتصر آثارها على آلية الاستيراد بحد ذاتها، بل تترك تأثيراً سلبياً على الاقتصاد ككل، ومنها:

  • عدم توفر التمويل بالدولار لشراء المحروقات. وهذا، في الحقيقة، ما تواجهه مؤسسة كهرباء لبنان، إذ إن بيع المادة بالعملة الوطنية يعقّد عملية تحويل الإيرادات إلى الدولار لشراء كميات جديدة من السلعة.
  • إذا سلّمنا جدلاً بأن المادة ستباع بالدولار حصراً، فإن ضعف القدرة اللوجستية، لجهة التخزين في المنشآت النفطية، والخلافات السياسية والإدارية حول آلية الاستيراد والتوزيع، كلها عوامل ستعرقل هذه الخطوة وتجعل منها كليشيه أكثر مما هي حل.

الحل الحقيقي لتأمين المحروقات يكمن في منع الاحتكار أولاً، والخروج من التسعيرة الرسمية التي تضعها الدولة وتفرضها على جميع الشركات ثانيا. فمن الطبيعي في هذه الحالة أن الشركة التي ستؤمّن المادة بأسعارٍ أقل ستزداد مبيعاتها، وترتفع حصتها من السوق على حساب بقية الشركات، التي ستضطر بدورها إلى تخفيض أسعارها. وهذه هي القاعدة البديهية في السوق، وليس دخول الدولة بما يحمله ذلك من إشارة إلى أنها تاجر فاشل وشريك غير قادر على المنافسة.