الليرة محيّدة عن التضخم اضطراراً لا خياراً.. ومُعقّمة نقدياً عن أثر القرارات المالية

التضخم

يثير غلاء الأسعار في لبنان موجة عامة من الاستهجان. فبين كانون الثاني وأيار، ارتفع التضخم بأكثر من 8%، قبل أن ينخفض قليلًا، لينهي النصف الأول من العام الحالي على ارتفاع بنسبة 17.25%، بحسب الإحصاء المركزي. ومع ذلك، يفوق الرقم المحقق محليًا مثيله العالمي بأكثر من أربعة أضعاف. إضافةً إلى الضغط الذي يسببه على المداخيل المحدودة أساسًا، يحوّل التضخم أي إجراء مالي أو نقدي إلى مصدر خشية من ارتفاعات إضافية. وليس آخر هذه الإجراءات الزيادة المعطاة على رواتب القطاع العام.

مع إقرار البرلمان فتح اعتماد في موازنة 2026 بقيمة 56.5 ألف مليار ليرة لتمويل زيادة ست رواتب إضافية لموظفي القطاع العام، خرجت الكثير من الآراء التي تحذّر من تداعيات هذه الخطوة على سعر الصرف. ونظراً لعدم تمكّن الحكومة من تأمين إيرادات جديدة لهذه الزيادة، مع العلم أن هذا الطرح ليس دستورياً، بعد معارضة رفع الضريبة على القيمة المضافة، قد تضطر إلى تمويلها من الأموال التي راكمتها من الإيرادات خلال الفترة الماضية، وأودعتها في الحساب 36 لدى مصرف لبنان.

تأثير الزيادة على سعر الصرف

صحيح أن قيمة هذا الحساب بلغت، بحسب الموازنة نصف الشهرية الأخيرة لمصرف لبنان، نحو 9.9 مليار دولار، إلا أن ثلثي هذه الأموال بالليرة اللبنانية. ومن شأن ضخ نحو 7 مليارات ليرة في السوق شهرياً أن يزيد الطلب على الدولار، وبالتالي يدفع سعر الصرف إلى الارتفاع، ما يعيدنا إلى دوامة ارتفاع الأسعار من بوابة تراجع قيمة الليرة. وبذلك، تكون الزيادة التي مُنحت للموظفين قد تحولت، من جهة، إلى ارتفاع في الأسعار يأكل قيمتها، ومن جهة ثانية، إلى عبء يتحمله عموم اللبنانيين.

خلافًا للعديد من الآراء، فإن الزيادة التي أُقِرّت على رواتب القطاع العام أخيرًا لن تؤثر على سعر الصرف أو على احتياطيات النقد الأجنبي في مصرف لبنان وبالتالي لن تزيد التضخم. فهذه الرواتب يحولها مصرف لبنان إلى الدولار على سعر الصرف الرسمي البالغ 89500 ليرة. وغالبًا ما يعمد الموظفون إلى تحويلها إلى الليرة لدى الصرافين، الذين يشترونها على سعر 89700 ليرة أو أكثر قليلًا، للاستفادة من هامش سعر الصرف وتحقيق زيادة، ولو طفيفة، على المدخول.

وغالبًا ما تُنفق الأجور المحدودة بطبيعتها على المواد الاستهلاكية الأساسية وليس الكمالية، ما يحرك العجلة الاقتصادية من جهة، ويزيد واردات الخزينة من جهة ثانية، عبر الضرائب والرسوم الموضوعة والمستوفاة بالليرة اللبنانية.

الفرق بين زيادة الرواتب والتعاميم

وتبعًا للآلية الموضوعة بين وزارة المالية ومصرف لبنان، والمنفذة على أرض الواقع بين شركة مالية تتعاون مع صرافين ومجموعة من المصارف، يتم امتصاص الدولارات وضخ الليرات بمقدار الحاجات اللازمة لتسديد الضرائب والرسوم. وهكذا تستمر الآلية الموضوعة منذ منتصف عام 2023 بالعمل بفعالية، حتى مع زيادة الرواتب والأجور. وهذا ما أثبتته مجموعة من المحطات التي بدأت في عام 2024، حيث إن زيادة أجور القطاع العام تعزز الاحتياطيات وليس العكس.

يميز المتابعون أثر الزيادة المعطاة للقطاع العام عن الزيادات التي أُقِرّت بموجب التعميمين 158 (800 دولار نقدًا و200 دولار عبر البطاقة المصرفية) و166 (400 دولار نقدًا و100 دولار عبر البطاقة المصرفية). ففي حين تعود دولارات الزيادات في القطاع العام إلى الدخول في السوق بشكل كامل، فإن الجزء الأكبر من الدولارات المعطاة بموجب التعميمين لا يدخل الدورة الاقتصادية، بل يُخزّن أو يُرحّل إلى الخارج، وبالتالي لا يفيد الآلية النقدية. وفي الحقيقة، أن هذه الزيادات، رغم أنها حق طبيعي وشرعي، ويكاد يكون مقدسًا بالنسبة إلى المودعين، لن تفيد الاقتصاد طالما أنه لم يتم اصلاح القطاع المصرفي وإعادة الثقة به.

شبيه مجلس النقد يحمي الليرة

هذا من الناحية النقدية، أما اقتصاديا فان دخول أي بلد في تضخم دائم وطويل، ليس فقط ارتفاع اسعار بطريقة عابرة أو مؤقتة نتيجة أزمة عابرةـ فن الطبيعي ان تحصل زيادات على لارواتب تقول الباحثة في الاقتصاد النقدي د. ليال منصور، ولاسيما أن زيادة الرواتب لن تكون ممولة من المصرف المركزي من خلال إما طباعة الليرات وأما من اعطائها على سعر صرف تفضيلي كان يدفع من الاحتياطيات وحقوق المودعين، بل ان هخذه الزيادة ستدفع من خلال الموازنة ووزاؤة المالي، وعلى الاخيرة تدبير هذه الزيادة على ارواتب من خلال زيادة الايرادات العامة.

هذا من الناحية النقدية، أما اقتصادياً، فإن دخول أي بلد في تضخم دائم وطويل لا يعني فقط ارتفاع الأسعار بطريقة عابرة أو مؤقتة نتيجة أزمة عابرة، “يصبح من الطبيعي أن تحصل زيادات على الرواتب”، تقول الباحثة في الاقتصاد النقدي د. ليال منصور. ومن غير الممكن كوني اقتصادية تقول منصور أن أكون ضد مثل هذا القرار، ولا سيما أن زيادة الرواتب لن تكون ممولة من المصرف المركزي، سواء من خلال طباعة الليرات أو عبر إعطائها على سعر صرف تفضيلي كما كان يحصل سابقا ويمول من الاحتياطيات وحقوق المودعين. بل إن هذه الزيادة ستُدفع من خلال الموازنة ووزارة المالية، وعلى الأخيرة تدبير هذه الزيادة على الرواتب من خلال زيادة الإيرادات العامة”.

زيادة رواتب الموظفين التي تسبق، في كل مرة، إعادة هيكلة القطاع العام و إصلاح الموازنة عبر تخفيض النفقات، وليس الاكتفاء بالبحث عن إيرادات جديدة، لا تبدو صحية في ظل الوضع الذي يمر به لبنان. ورغم أنها حق للموظفين المستحقين، فإنها تشمل آلاف الوظائف والموظفين الذين لا يعملون فعلياً.

وبغض النظر عن الموقف من الزيادة لناحية العدالة الوظيفية، تجمع الآراء على أنها لا تحمل تداعيات نقدية. فبحسب منصور، ما يحمي الليرة هو تطبيق لبنان ما يُعرف بـ FAKE CURRENCY BOARD، أي مجلس النقد غير الكامل، إضافة إلى أن نسبة الدولرة في الاقتصاد تفوق 95%. وعليه، فإن إجراء العمليات المالية وعمليات الدفع بالدولار يخفف الضغط على الليرة، ويجعلها أكثر ثباتاً، بحيث لا تتأثر بقرارات مالية من هذا النوع.

تحييد الليرة نفسها، اضطراراً لا خياراً، عن عوامل التضخم لا يعني بطبيعة الحال أن الاقتصاد صحي. فتراجع تنافسية الاقتصاد اللبناني، وعدم تطبيق القوانين ذات الصلة بالمنافسة، وعدم توقع دخول قانون حماية المستهلك المُقرّ حيز التنفيذ قريباً، تجعل ارتفاع الأسعار ظاهرة دائمة في لبنان، وبأضعاف المعدلات العالمية. ولعل هذا النوع من التضخم هو الأخطر، كونه يحدث بالدولار وليس بالعملة المحلية.