مشهدان متناقضان شهدهما قطاع الطاقة خلال ساعات. الأول: توسيع نطاق استجرار الكهرباء من الخارج لتشمل الدائرة تركيا، بعد محاولات مع الأردن، وسوريا، وقبرص. والثاني: افتتاح حقل طاقة شمسية لتغذية بلدة رشميا بالكهرباء على مدار الساعة.
إن كانت الحاجة الملحّة “أم” المحاولات لجرّ الكهرباء من الخارج، بهدف توفير الوقت، فإن جمعية “نبض عاليه” ساهمت في “تنفيذ ثلاثة مشاريع لإنتاج الكهرباء من الطاقة النظيفة في ثلاث بلدات بسرعة قياسية”، قال رئيس الجمعية، الدكتور أنطوان أبو فياض، في افتتاح محطة رشميا. أمرٌ، إن دلّ على شيء، فهو يدلّ على صوابية نموذج التعاون بين البلديات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الأمن الطاقوي، ودعم مسيرة التنمية المستدامة.

توسع مشاريع إنتاج الطاقة
عندما خرجت تجربة بلدة تولا في قضاء زغرتا، في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، بالتعاون بين البلدية والقطاع الخاص، إلى العلن عام 2021، شكك كثيرون في نجاحها وإمكانية تعميمها. وما هي إلا سنوات قليلة حتى استُنسخت التجربة وانتشرت في عشرات البلدات، مستفيدة من عاملين أساسيين: “تراجع كلفة تركيب الوحدات الشمسية، وتفاقم مشكلة الكهرباء محلياً، وتأثرها الكبير بالأحداث الإقليمية والعالمية”، يقول مدير مشروع تولا للطاقة الشمسية، المهندس إيلي جريج. ونتيجة لإقفال مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً، ارتفعت أسعار اشتراكات المولدات الخاصة محلياً، بالتوازي مع ازدياد ساعات التقنين من مؤسسة كهرباء لبنان. وتفاقمت المشكلة أكثر مع انقطاع المازوت، ما أغرق مئات القرى في العتمة.

مع فقدان الأمل بإمكانية إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان، لم تعد هناك “قرنة” في لبنان لا تعتزم تأمين حاجتها من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة. إلى جانب تولا، بدأت قرية صغيرة في قضاء زغرتا تنفيذ مشروع إنتاج عام للكهرباء، بالتعاون بين البلدية والقطاع الخاص، فيما بدأت أربع بلدات أخرى إعداد الدراسات تمهيداً للتنفيذ بأسرع وقت ممكن. ويمكن القول إنه “من أصل 40 بلدية في قضاء زغرتا وحده، هناك 7 بلدات ستؤمن حاجاتها من الكهرباء قبل نهاية هذا العام من مشاريع إنتاج الطاقة الشمسية”، يقول جريج. ولا يعود السبب فقط إلى تراجع الكلفة، إنما أيضاً إلى فقدان المولدات جدوى التشغيل الاقتصادية خلال فصول طويلة من السنة. فحتى لو تراجع سعر المازوت، فإن العديد من القرى الصغيرة، التي تضم أقل من 20 منزلاً مأهولاً شتاءً، لا يمكنها تشغيل المولد العام أو الاشتراك به، نظراً إلى ارتفاع الكلفة مقارنة بالاستهلاك.
فرص تطوير المشاريع
تكمن أهمية هذه المشاريع في توفير الكهرباء بشكل دائم وبسعر منخفض. فسعر الكيلوواط المنتج من مشاريع الطاقة الشمسية، التي تعتمد على إنتاج الألواح خلال فترات النهار وبطاريات التخزين ليلاً، يتراوح بين 10 و12 سنتاً للكيلوواط.
وحتى لو استعانت هذه المشاريع بالمولد في أوقات محددة، فإن الكلفة تبقى أقل من ربع كلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة. ففي حين وصلت كلفة الاشتراك بالمولد إلى دولار واحد في غالبية المناطق، فإن السعر المباع من المشاريع المشتركة لا يتجاوز 25 سنتاً، مع توفير فاتورة الدولة نظراً إلى غياب الحاجة إلى الكهرباء العامة.
أكثر من ذلك، فإن فرص تطور هذه المشاريع لا تُعدّ ولا تُحصى، ولعل أهمها إمكانية اعتماد التبادل الطاقوي بينها وبين الشبكة العامة، أي بيع فائض الإنتاج إلى الشبكة العامة. في الأشهر التي يتراجع فيها الاستهلاك المحلي من المشروع، يُوضع الفائض على الشبكة، والعكس صحيح في أوقات الذروة. وتكون النتيجة تصفير الفاتورة مع الكهرباء العامة، وهو ما يعدّ حلاً رابحاً للطرفين.
الوزارة والهيئة الناظمة
في الوقت الذي تقود فيه وزارة الطاقة مبادرات لاستجرار الكهرباء من الخارج، قانعةً أم مكرهةً، جدّد الوزير، من الجهة المقابلة، دعمه لنموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص خلال افتتاح مشروع الطاقة في رشميا، مضيفاً أن وزارة الطاقة تعتزم اعتماده في عدد من المشاريع المقبلة.

وبرأي الصدي، فإن “تعزيز اللامركزية وتمكين البلديات يشكلان مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة”، مشيراً إلى “الدور المحوري الذي تضطلع به الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء في تنظيم وتطوير الاعتماد على الطاقة الشمسية”.
مشروع رشميا، بتجربته الناجحة، وتصريح الوزير بأهميته، يجب أن يشكّلا نقطة انطلاق لتوسيع هذه المشاريع ودعمها. آن الأوان للحدّ من محاولات تكرار الأخطاء في الكهرباء، التي لم تحقق نتائج في الماضي ولن تشكل حلاً مستداماً في المستقبل. فهذه المحاولات تزيد الارتهان للخارج وتضعف الأمن الطاقوي. في المقابل، يملك لبنان مقومات إنتاج الكهرباء محلياً؛ فشمسه، وهواؤه، وقطاعه الخاص قادرة على تأمين حاجاته، بل وتصدير الفائض إلى الخارج.
