انتقل حاكم مصرف لبنان كريم سعيد سريعًا إلى تنفيذ ما وعد به. فعقب المؤتمر الصحافي الأخير الذي أعلن فيه عن إجراءات قانونية وقضائية تستهدف كل من أساء استعمال أموال مصرف لبنان، واسترداد هذه الأموال للتعويض على المودعين، عقد الحاكم سلسلة جلسات مع قاضية التحقيق الفرنسية كليمانس أوليفييه في باريس. وسلّم سعيد والفريق القانوني للمصرف المعلومات الهامة التي كانت تنقصها في ملف الإثراء غير المشروع لأفراد وشركات واجهة، ينتشر العديد منها عبر أوروبا وفي ملاذات ضريبية أخرى.
واعتبر مصرف لبنان في بيان أن هذا التنسيق الوثيق مع القضاء الفرنسي يُعدّ عنصرًا محوريًا في إثبات المسؤوليات الجزائية، وقد أتاح بالفعل لمصرف لبنان تنقيح استراتيجيته القانونية وتوسيع نطاق تحقيقاته بغية استرجاع أمواله المنهوبة.
تاريخ التحقيق الفرنسي
وكان القضاء الفرنسي قد فتح تحقيقًا قضائيًا في العام 2021، على أثر الدعوى القضائية المرفوعة ضد الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة وشقيقه رجا، بتهمة الشبهات بتحويل ملايين الدولارات إلى مصارف أوروبية بطريقة غير شرعية. وقد استكمل المحققون الفرنسيون، بالتعاون مع السلطات القضائية في ألمانيا ولوكسمبورغ وسويسرا، التحقيقات خلال العامين 2022 و2023.
وزارت وفود قضائية لبنان أكثر من مرة، واستجوبت القاضية الفرنسية أود بوريسي المتهمين، وحققت مع مصرفيين ومسؤولين ماليين. وتابع الملف من بعد خروجها إلى التقاعد القاضية كليمانس أوليفييه، تحت إشراف القاضي سيرج تورنير.
التهم الموجّهة إلى سلامة
واتخذ القضاء الفرنسي قرار الملاحقة بحق رياض سلامة عبر الإنتربول بعد تخلفه عن حضور جلسة التحقيق في فرنسا في العام 2023، حيث كان من المرجّح أن تُوجَّه الاتهامات إليه بشكل مباشر.
وتنحصر التحقيقات الفرنسية مع رياض سلامة وشقيقه رجا بتهمتين أساسيتين هما:
تبييض الأموال، وقد أظهر تتبّع التحويلات المالية إلى أوروبا أن مصدرها شركة “فوري” التي يملكها رجا سلامة، حيث كانت مهمة هذه الشركة تسويق سندات الدين اللبنانية “اليوروبوندز” إلى شركات سلامة في الخارج، واستخدمت الأموال في شراء العقارات.
التزوير، إذ يشتبه القضاء الفرنسي بتزوير الحاكم وشقيقه مستندات لتبرير ذممهم المالية.
وبحسب الأصول القانونية، ليس من صلاحية القضاء الفرنسي التحقيق مع سلامة في القضايا الأخرى المرفوعة عليه محليًا، مثل الاختلاس والتهرب الضريبي وصرف النفوذ. واستطاع القضاء الفرنسي، نتيجة التحقيقات ومقاطعة المعلومات، التوصل إلى قرائن قوية على الاتهامات الموجهة ضد الأخوين سلامة.
أهمية دخول مصرف لبنان في الدعاوى
وبالعودة إلى بيان مصرف لبنان الأخير، فقد تبيّن للمصرف نتيجة التنسيق مع القضاء الفرنسي “وجود أفعال جديدة متعمّدة ومنسّقة تم بنتيجتها الاستيلاء على أموال عائدة لمصرف لبنان، وقد تمت بهدف الإثراء الشخصي غير المشروع. وتشمل الجهات المتورّطة أفرادًا وشركات واجهة، ينتشر العديد منها عبر أوروبا وفي ملاذات ضريبية أخرى”.
وقد جرى تحديد سلسلة إضافية من جلسات العمل بين الحاكم والفريق القانوني لمصرف لبنان والسلطات القضائية الفرنسية، بما يؤكد أن هذا المسار مستمر ومتسارع، ويشهد تطورًا إيجابيًا ومجديًا.
أن تأتي متأخرًا خير من ألّا تأتي
وفي حديث خاص لموقع LEBANON MATTERS، قال المحامي المتخصّص في القوانين المصرفية الدولية الدكتور علي زبيب إن انضمام مصرف لبنان إلى الدعاوى القضائية بحق من هدر أمواله متأخرًا خير من ألّا يأتي أبدًا. وحمّل زبيب القضاء اللبناني مهمة إلقاء القبض على الحاكم، ولا سيما بعد صدور مذكرة التوقيف الأخيرة بحقه، متسائلًا إن كانت المحاسبة الجدية ستتم رغم تورط العديد من الأفرقاء السياسيين في الملف.
وسبق لمصرف لبنان أن قرر في تموز 2024 الدخول كطرف مدني في الدعاوى القضائية المرفوعة أمام القضاء الأجنبي، بوصفه متضرّرًا من قضية الأموال التي يُشتبه باختلاسها من قبل الحاكم السابق رياض سلامة. وقد أعاد الحاكم سعيد تمتين هذا التعاون من خلال التعاون بشكل أكبر مع القضاء الفرنسي، وتأمين المستندات والوثائق التي يتطلبها التحقيق في هذا الملف. وقد أتت هذه الخطوة عقب محاولة الحكومة السابقة عرقلة عملية تعيين محامين لتمثيل الدولة اللبنانية وحماية مصالحها.
ويتيح هذا التعاون في الادّعاء على سلامة اتخاذ المصرف المركزي إجراءات لملاحقة أملاك سلامة المحجوزة من قبل السلطات القضائية في فرنسا.
خاص – Lebanon Matters
