تكرر الجهات المعنية بإدارة قطاع الخليوي في لبنان منهجية العمل نفسها، وتتوقع نتيجة مختلفة. تهتم هذه الجهات، من وزارة الاتصالات إلى اللجان الوزارية والهيئات الاستشارية والتنفيذية، بالكثير من الأمور، فيما المطلوب واحد: تحسين جودة الخدمات ونقلها إلى مصاف الدول المتقدمة، إذ من دون قطاع اتصالات رشيق ومتطور ومعتدل الكلفة، لا يمكن الرهان على تطوير الاقتصاد مهما علت الإنجازات. فالاتصالات، وما يرافقها من مدن تكنولوجية وصناعات برمجية وشركات ذكاء اصطناعي وخوادم تخزين وروابط تواصل، أصبحت حجر الزاوية لنمو أي اقتصاد. ومن المحال إعلاء بنيان النمو على قواعد «ركيكة» تُدار بعقلية القرن الماضي وأدواته، التي «أكل عليها الزمن وشرب».
في أحدث تطوّر، وردّ مجلس الوزراء، مطلع العام الحالي، اقتراح «اللجنة الوزارية» المُشكَّلة بتاريخ 9 تشرين الأول 2025، والمكلّفة بحث الخيارات المتاحة لتشغيل وإدارة شبكتي الخليوي في لبنان، القاضي بتكليف وزارة الاتصالات استطلاع آراء الشركات العالمية وقياس رغبتها في تولّي إدارة وتشغيل شركتي الخليوي وفق مناقصة عالمية. وترافقت هذه التوصية مع إبداء وزير الاتصالات شارل الحاج، في العديد من المناسبات، قناعةً بتلزيم تشغيل شركتي الخليوي للقطاع الخاص، على غرار ما حصل مع أوراسكوم وزين. وقبلهما سيليس وليبان سيل، منذ التسعينيات ولغاية عام 2002.
الإدارة والتشغيل بين القطاعين العام والخاص
المفارقة أنّه، سواء لُزِّمت إدارةُ وتشغيلُ الشركتين للقطاع الخاص أم بقيتا في عهدة الدولة، فإن النتيجة سيّان. فهاتان الشركتان استردّتهما الدولة من المشغّل الخاص عام 2020، وتولّت تشغيلهما بنفسها. «هل لاحظ أحد من المستهلكين العاديين أو المحترفين فرقًا؟» يسأل الخبير المتخصص في قطاع الاتصالات وسيم منصور، ليجيب بأن الخدمات لم تتطور فعلًا، لكنها أيضًا لم تتراجع دراماتيكيًا، على الرغم من المشكلات الاقتصادية والأمنية التي مرّ بها البلد في الأعوام الأخيرة، ومنها انقطاع مادة المازوت لتشغيل المولدات والمحطات، وتراجع العائدات بنسبة كبيرة، وازدياد التكاليف لشراء قطع الغيار والصيانة.
ومع ذلك كلّه، استطاعت الشركتان تأمين إدارة المرفق العام وتشغيله. ولعلّ الميزة التي يمكن ملاحظتها، بحسب منصور، كانت «تراجع النفقات مقابل تأمين الخدمات نفسها».
تكرار الفشل
إزاء هذا الواقع، يتبيّن بوضوح أن إدارة قطاع الخليوي وتشغيله، سواء من قبل القطاع العام أم الخاص مقابل بدل مادي تسدّده الدولة، لم تعد تُقدِّم أي قيمة مضافة لقطاعٍ فائق الأهمية. وطالما أن هذه العقلية الإدارية تسيطر على طريقة التشغيل، سيبقى قطاع الاتصالات الخليوية بمنأى عن التطوير الكمي والنوعي على حدّ سواء. فلا الخدمات تتحسّن وترتقي إلى المستوى الذي يُحفّز الاقتصاد، ولا أعداد المشتركين تزداد. و«هذا ما برهن عليه بوضوح فشل التجربة منذ عام 2004 ولغاية اليوم»، يقول منصور، معتبرًا أن حرمان القطاع من المنافسة الشفافة هو أحد أبرز أسباب هذا الواقع، إذ إن الدولة هي من تحدّد الأسعار، ولا تمنح الشركتين هامشًا تعملان ضمنه لخلق فروقات وتعزيز المنافسة بينهما».
على الرغم من فشل تجربة الإدارة والتشغيل المُبيَّنة، تجري اليوم محاولات مستميتة لتكرارها، إمّا بصورة مباشرة، وإمّا من خلال التلطّي بشعار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. فالقيّمون على القطاع يتواصلون مع شركات أجنبية على أساس منحها مطلق الحرية في التصرّف بالـOPEX والـCAPEX، أي النفقات التشغيلية والرأسمالية، مقابل ضمان حدٍّ أدنى من الإيرادات السنوية للخزينة.
وتكمن خطورة هذا الطرح في أنه يركّز على المبالغ التي ستحصلها الخزينة، لا على تطوير القطاع، يقول منصور، إذ يمكن للمشغّل خفض النفقات وتقليص المصروفات من أجل الحفاظ على مستوى الإيرادات نفسه، من دون أن يضطر إلى تحسين جودة الخدمات.
أما فيما يتعلق بالمناداة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة القطاع، فهو طرح في غير مكانه، إن لم نقل إنه خِداع.
فالشراكة في هذا القطاع تكون، من حيث الشكل، على تطوير خدمة جديدة أو إدخال تكنولوجيا متطورة، وليس على المشاركة بالعائدات التي يجري تحصيلها بالأساس. وإذا ما تم السير في هذا الطرح، فسيكون عقدًا ماليًا لإدارة وتشغيل القطاع، وليس عقد شراكة حقيقيًا. وعليه، لن تساهم هذه الشراكة في تطوير القطاع بأي شكل من الأشكال. وإن كان لا بد منها، فيجب أن تكون على أساس المشاركة فيما يزيد عن العوائد المحققة، وعلى تقنيات ومشاريع جديدة غير موجودة سابقًا.
ما الحل؟
إذاً، العودة إلى عقد إدارة وتشغيل والادّعاء أنها خطوة متقدمة لتطوير القطاع هو كمن «يضحك على نفسه». فالمشكلة الأساسية في هذا القطاع، حسب منصور، تتمثل في التدخل السياسي وابتعاده عن الحوكمة الرشيدة. فالقطاع افتقر طوال السنوات الماضية إلى الشفافية والاستقلالية والعلنية، وكان يُدار بشكل مباشر من وزير الاتصالات ويتبع أهواءه السياسية، وقد زادت هذه التبعية مع تعيين الوزير مجلس إدارة الشركتين، في المرحلة الأخيرة.
ومن هنا يجب أن تبدأ الخطوة الأولى بإصلاح حوكمة القطاع، وذلك من خلال وضع KPIs (مؤشرات قياس الأداء) للمشغل، أيًا كان، وربطها برئاسة مجلس الوزراء وليس بالوزير، مع تحديد فترة زمنية لتحقيقها على أساس الأداء، لا على أساس التفاصيل الدقيقة. وهذا ما يعرف بإصلاح الحوكمة.
عند تنفيذ هذه الشروط، تتحسن قيمة الشركات تلقائيًا، مما يسمح بفتح القطاع على المنافسة وإدخال شريك استراتيجي عبر بيع حصة من هذه الشركات بنسبة 40 أو 49٪ أو أي نسبة أخرى يجري الاتفاق عليها. ما يعني عمليًا أن المشغل يدفع الأموال للإدارة والتشغيل ولا يتقاضى بدلًا من الدولة لإدارتها.
ومن المهم جدا في هذه المرحلة زيادة عدد الشركات إلى ثلاثٍ شركات على الأقل، لضمان عدم تكرار نموذج الاحتكار الثنائي (Duopoly) في قطاع الخليوي. إذ لطالما هيمنت على القطاع شركتان قدّمتا المنتجات والعروض نفسها، وبالأسعار نفسها، واقتسمتا السوق مناصفة، ما منحهما سيطرة كبيرة على الأسعار والإنتاج، وعزّز ميلهما إلى عدم تطوير القطاع وتحسينه.
لا بديل عن إدخال القطاع الخاص إلى قطاع الخليوي وترك تحديد عدد الشركات للسوق. فالاقتصاد المتطور والاتصالات يرتبطان بعلاقة طردية، أي أنه كلما تطورت الاتصالات، تطور الاقتصاد، والعكس صحيح. ومع تطور الاقتصاد تزداد المداخيل وأعداد الشركات، مما يسمح بدخول المزيد من الفاعلين لتقديم الخدمات. وبهذه الطريقة تتحقق مصلحة الجميع من خلال تقديم خدمة جيدة وبأسعار مقبولة.
