نعم، يمكن ترشيد القطاع العام وترشيقه، رغم كل محاولات التجهيل التي تُطلق بحق المطالبين. فمنذ إقرار الزيادة بمقدار ستة أضعاف على رواتب العاملين في القطاع العام، من عاملين ومتقاعدين، ليصبح مجموع ما يتقاضونه تسعةَ عشرَ ضعفًا، عدا عن الحوافز وبدل النقل، والمسؤولون الحكوميون يجهدون لتبرير حجم هذا القطاع. وللجم الحديث عن إعادة هيكلة القطاع العام، يسخّف المسؤولون المطالبات، معتبرين إياها شعبوية، ويرمون تهم المبالغة وفقدان المعرفة على كل من يطالب بها.
وفي أحدث تعليق رسمي على الزيادات التي سبقت «ترشيد» القطاع العام، فنّد رئيس الحكومة نواف سلام أعدادَ العاملين، عادًّا إياهم 323 ألفًا بين فاعل ومتقاعد، يتوزعون على أربعة أقسام رئيسية:
- 119 ألفًا في الجيش والأسلاك الأمنية،
- 50 ألفًا في القطاع التربوي،
- 7169 موظفًا في الإدارة العامة،
- 120 ألف متقاعد.
اتجاه إلى زيادة عديد القطاع العام
وقد اعتبر الرئيس سلام، في مؤتمر صحافي، أن أعداد العاملين في الإدارة العامة أقل بكثير من المطلوب لتشغيلها وتقديم الخدمات الضرورية والأساسية للمواطنين. وأكد أنه لا يمكن تقليص أعداد القوى الأمنية، بل على العكس ستُزاد بنحو 10 آلاف عنصر، ولا سيما بعد خروج اليونيفيل من الجنوب. كما رأى أنه في ظل الواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب لا يمكن تقليص أعداد العاملين في المؤسسات التربوية الرسمية. وأضاف: «يبقى المتقاعدون، فكيف تريدون منا أن نُرشدهم؟» سأل مستغربًا.
التصحيح ممكن ومطلوب
عدا عن الحشو الكبير في قطاعي الكهرباء والاتصالات وضرورة تنظيمهما انطلاقًا من القانونين 431 و462 اللذين ينصّان على تفكيك الاحتكار العام وفتح المجال أمام المنافسة، فقد «نبت الشعر على ألسنة» المراقبين وهم يطالبون بإلغاء عشرات المديريات والمصالح، وإقفال المؤسسات والصناديق التي تضم آلاف الموظفين، والتي لم يعد لوجودها أي مبرر، وباتت تشكّل مزاريب للهدر والفساد.
كما يتوجب إصلاح القطاع التربوي. فهذا القطاع، الذي اعترف رئيس الحكومة بأنه «بحاجة إلى إعادة تنظيم لزيادة الفعالية في بعض المواقع»، يعاني تضخمًا واضحًا. فأعداد الكادر التربوي والمدارس الرسمية لا تتناسب مع الحجم الضئيل لأعداد التلاميذ، الذين لا يتجاوزون 25 في المئة من مجمل أعداد التلامذة في لبنان. وبحسب دراسة للبنك الدولي، فإنه بالإمكان إلغاء ما لا يقلّ عن 20 ألف وظيفة من هذا القطاع.
وبالعودة إلى القطاعات العسكرية والأمنية، فهي أيضًا متضخمة عدديًا، وتحتاج إلى إصلاح كبير في أنظمة التقاعد والترقيات والتقديمات الاجتماعية.
إصلاح القطاع العام يمرّ عبر نقل من لا حاجة لهم إلى القطاع الخاص، ولا سيما في الكهرباء والاتصالات والتربية، وبعدد لا يقلّ عن 40 إلى 50 ألف وظيفة، إضافة إلى إصلاح أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية وتعويضات نهاية الخدمة. ومن شأن هذه الإجراءات أن توفّر على الخزينة ما لا يقلّ عن 500 مليون دولار، وهي أموال تُعدّ أكثر من كافية لزيادة رواتب المستحقين في القطاع العام. والأهم أن هذه الخطوات تعطي إشارات واضحة إلى المجتمع الدولي والقطاع الخاص المحلي والأجنبي بأن العمل جارٍ بجدّية على الإصلاح، لا على مستوى الخطاب النظري فقط، إنما التطبيقي أيضا.
استسهال الضرائب غير المباشرة
بالانتقال إلى طريقة تأمين الإيرادات عبر فرض رسم قدره 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المئة، وإعادة الرسوم على الحاويات إلى ما بين 40 و50 دولارًا، فهي لا تقل إشكالية أو جدلية عن إصلاح القطاع العام. وقد لجأت الحكومة إلى هذه الإجراءات لأنها تمثل ثلاثة حلول بخطوة واحدة: فهي سريعة التحصيل، يصعب التهرب منها، وتُعدّ مستدامة. وذلك خلافًا للتوجه نحو زيادة التحصيل من الرسوم الجمركية، أو تحصيل مليار دولار من الغرامات على الكسارات والمقالع، أو معالجة التعديات والمخالفات على الأملاك البحرية والنهرية، بقيمة قد تصل إلى 800 مليون دولار.
وصحيح أن وزارة المالية أصدرت أوامر تحصيل بحق أصحاب المقالع والكسارات بقيمة مليار دولار، إلا أن “عدد الذين تبلّغوا هذه الأوامر قليل جدًا”، بحسب متابعين، ويكاد يُعدّ على أصابع اليدين، نظرًا لعدم توافر بيانات دقيقة حول أصحاب المقالع والكسارات، والعجز عن الوصول إليهم بسبب عدم توفر العناوين الواضحة. هذا عدا التدخلات السياسية والحزبية الكبيرة التي تعيق الوصول في هذا الملف إلى خواتيمه.
إزاء العوائق التي قد تواجه عمليتي الإصلاح الإداري والضريبي، وما يتطلبانه من وقتٍ طويل قد يتجاوز السنوات، فضلًا عن عدم التأكد من استدامة نتائجهما، لجأت الحكومة إلى الرسوم والضرائب غير المباشرة. ومن المقدّر أن تؤمّن منها أكثر من 800 مليون دولار، على الرغم من أن قيمة الزيادة الفعلية على الرواتب تبلغ 650 مليونًا. وهناك أيضًا 70 مليون دولار ستُدفع للمتقاعدين عن العامين السابقين بدل مساعدات مدرسية.
وكما تسعى الدولة إلى بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية من خلال حصرية السلاح، فإن ترشيد القطاع العام لا يقل أهمية عبر إعادة الهيكلة، برأي بودياب، من أجل ضمان الاستمرارية، وتعزيز النمو، وزيادة الإيرادات، وتحقيق العدالة والمساواة. إلا أن هذه العناوين الطموحة تصطدم بواقع معقّد يتمثل في انتشار الزبائنية والتدخلات السياسية، ما يحول دون معالجته بصورة جذرية، ويدفع إلى استسهال فرض الضرائب غير المباشرة وتطويقها سياسيًا لمنع ردّات الفعل. والمؤسف أن كل ذلك يأتي في ظل تجاهل كامل للآثار والانعكاسات التضخمية التي تخلّفها، وزيادة الأعباء على القطاع الخاص الشرعي، وإبعاد المستثمرين وروّاد الأعمال، وبالتالي إبقاء الاقتصاد عالقا في عق الزجاجة.
