يلفّ الغموض مصير مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. فعدا عن إمكانية تعطيله من الداخل، بعد تسجيل النواب اعتراضات بالجملة على العديد من بنوده، فقد برز معطى خارجي جديد من الممكن أن يعيد النقاش بالمشروع إلى نقطة الصفر.
قبل أيام من بدء لجنة المال والموازنة النيابية دراسة مشروع الانتظام المالي واسترداد الودائع، المُحال من الحكومة بالمرسوم رقم 2224 في 29 كانون الأول 2025، خرجت أصوات تطالب بردّ مشروع القانون إلى الحكومة، لكون طريقة إحالته تخالف الدستور. ويرى المعترضون أن المادة 65 من الدستور تنصّ على أن «المواضيع الأساسية» تحتاج إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها. ومن ضمن المواضيع الأساسية التي تدرجها هذه المادة تبرز: «الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى».
خطة إنمائية أم تنظيمية؟
وبما أن مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بـ«قانون الفجوة»، يمتدّ على أكثر من 20 سنة، ويتعلّق بنحو مليون مودع، ويرتّب أعباءً على الخزينة ومصرف لبنان، ويعيد هيكلة ديون عامة بعشرات مليارات الدولارات، فهو يُصنّف حكماً كـ«خطة إنمائية شاملة طويلة المدى». وعليه، فإن إحالته إلى مجلس النواب تتطلّب موافقة ثلثي الحكومة، فيما هو أُحيل بالأكثرية زائد واحد.
في المقابل، تعتبر العديد من المراجع القانونية والنيابية أن «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع يهدف إلى إعادة حقوق دائنين، سواء كانوا مودعين أو حملة سندات حكومية، بعدما تخلّف القطاع المصرفي عن الإيفاء بالتزاماته. وبهذا المعنى فإن القانون يُعتبر تنظيمياً، لا يغيّر شكل الاقتصاد أو طبيعته، ولا يُعتبر إنمائياً بالمعنى الحرفي للكلمة، ولو أنه يمتدّ لسنوات». وما قصده المشرّع في هذه المادة، برأي المعترضين، ينطبق على الخطط الخماسية أو العشرية لتطوير الاقتصاد برمّته، وعادةً ما تكون هذه الخطط مبنية على الاستدانة والاستعانة بالقطاع الخاص عبر مشاريع الـBOT وBOO وغيرها من الطرق. ومشروع قانون الفجوة لا يندرج في هذا الإطار.
دور المجلس الدستوري
رأي المعترضين يتوافق مع «القراءة الأولية للمادة 65 من الدستور، التي تحدّد أربعة عشر موضوعاً تستوجب الاستحصال على الغالبية الموصوفة في مجلس الوزراء ليتم إقرارها، ولا تتضمن موضوع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع بشكل حصري أو تفصيلي»، يقول المحامي الدكتور إدغار قبوات. لكن بقراءة متأنّية أكثر وتفسيرية، يشير قبوات إلى أنه «يتبيّن أن قانون الفجوة يتعلّق بشكل عضوي بمسألة الخطط الإنمائية الطويلة الأمد الواردة في المادة، كون الأمر يرتبط بالمالية العامة الخاصة بالأفراد والنقابات والمؤسسات، وله انعكاس حتمي على الحقل الإنمائي». وبهذا التفسير، الذي يطغى على مختلف الآراء القانونية والنيابية، يتوجّب إحالة مشروع قانون الانتظام المالي بغالبية الثلثين.
الانقسام العمودي في آراء الخبراء والمعنيين، من نواب ومسؤولين بدراسة قانون الفجوة المالية وإقراره، «لا يمكن الفصل به إلا من خلال إيلاء المجلس الدستوري حق تفسير الدستور بناءً على مراجعة مباشرة من السلطات العامة»، وذلك من وجهة نظر قبوات.
لكن، مع الأسف، فإن هذه الصلاحية بتفسير القوانين، المُقرّة عند إنشاء المجلس في اتفاق الطائف عام 1989، انتُزعت من المجلس في التعديل الذي أُدخل على الاتفاق عام 1990، فيما تمّت المحافظة على الصلاحيتين المتبقيتين، وهما: مراقبة دستورية القوانين، والبت بالنزاعات الانتخابية الرئاسية والتشريعية. ولم يُقرّ في التعديلات إيلاء المجلس الدستوري حق تفسير الدستور بموجب مراجعات مباشرة من السلطات العامة، إذ اعتُبرت هذه المادة أنها تنتقص من صلاحيات مجلس النواب.
إذًا، فالدستور اللبناني، مع الأسف، لا يسمح لأي سلطة عامة، مهما علا شأنها، أن تتقدّم من المجلس بمراجعة تفسيرية لنص دستوري. و”لو كان ذلك مسموحًا، لكنا وفرنا على أنفسنا جدلًا مستفيضًا ونزاعًا يعرقل واحدًا من أهم القوانين المالية والاقتصادية”، يضيف قبوات.
والحل، الذي يجب أن يبدأ به، يتمثل في مبادرة رئيس الجمهورية أو 10 نواب بمشروع تعديل دستوري يعيد الصلاحية الثالثة المحذوفة إبان تعديلات التسعين إلى المجلس، ليس فقط للحسم في قضية الفجوة المالية، وإنما أيضًا في الكثير من الأمور التي تسببت بجدل دستوري مستفيض.
