تتسبب التداعيات الناتجة عن الحرب المستمرة في لبنان بأضرار جسيمة طالت البنى التحتية الحيوية، لا سيما قطاعات الكهرباء، والاتصالات، وشبكات المياه، مما أدى إلى شلل كبير في الحياة الاقتصادية والمدنية. وتُعد الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء واسعة النطاق ومتنوعة، وعلى الرغم من أن كلفتها قد تبدو ضئيلة نسبيًا مقارنة بتدمير الأبنية الكاملة، إلا أن المعضلة الحقيقية تكمن في استحالة المباشرة بعمليات الإصلاح وإعادة التشغيل في ظل استمرار الأعمال العدائية، حيث تظل المواقع عرضة للاستهداف المتكرر في أي لحظة.
تشير التقديرات الأولية إلى أن كلفة أعطال الكهرباء في الضاحية الجنوبية وحدها تتراوح بين 6 إلى 8 ملايين دولار، بينما تتضاعف هذه الأرقام بشكل كبير في جنوب لبنان، وهو أمر لا يمكن إحصاؤه بدقة دون إجراء كشف ميداني متعذر حاليًا. وتفاقمت الأزمة نتيجة ظاهرة سرقة الشبكات والكابلات النحاسية الضخمة في الأحياء المهجرة، حيث يستغل البعض غياب الرقابة الأمنية والسكنية للمتاجرة بها في السوق السوداء، مما يضاعف من معاناة المواطنين عند محاولتهم العودة إلى منازلهم التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
تمتد آثار هذه الأعطال لتشمل قطاع الاتصالات الذي يعاني من انعدام شبه كامل للإرسال في مناطق التوتر نتيجة تدمير محطات التقوية وانقطاع التيار الكهربائي اللازم لتشغيلها. وينعكس هذا التعطيل مباشرة على قطاع المياه، إذ يتوقف ضخ المياه إلى المنازل والمنشآت مع غياب الطاقة، مما يضطر المواطنين إلى الاعتماد على صهاريج المياه المكلفة التي ترهق كاهلهم، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات.
يتطلب الخروج من هذا المأزق تبني رؤية اقتصادية وإدارية جديدة تخرج عن إطار الخطط التقليدية المركزية. ويبرز التوجه نحو “اللامركزية الطاقوية” كحل استراتيجي، من خلال تمكين البلديات ومنحها الصلاحيات القانونية للتعاون مع القطاع الخاص في إنتاج وتوزيع الطاقة، لا سيما عبر الاعتماد على الطاقة الشمسية والمتجددة. إن تنويع مصادر الطاقة وتوزيعها محليًا يضمن “أمانًا طاقويًا” يمنع انهيار الخدمات الشامل في حال تضرر شبكة رئيسية واحدة.
ختامًا، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة الإصلاح الجذري للإدارة العامة والمرافق الرسمية لتجاوز العجز المالي المزمن. ورغم الجهود الإغاثية التي تقدمها الدول الصديقة والمغتربون، إلا أن الحل المستدام يكمن في استقرار الوضع الأمني وبدء عملية إعادة إعمار شاملة للبنى التحتية، مدعومة بإرادة سياسية تضع حدًا للهدر وسوء الإدارة وتفعل الهيئات الناظمة للقطاعات الحيوية لضمان عودة الدورة الاقتصادية إلى طبيعتها.
