تتصاعد في الآونة الأخيرة التساؤلات حول إمكانية تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، في ظل ما تشهده البلاد من تحولات اقتصادية متسارعة وتداعيات الحرب المتواصلة. وقد رصدت الأوساط الاقتصادية تسريبات تتحدث عن توجه نحو تحرير سعر الصرف، إلا أن مصرف لبنان سارع إلى نفي هذه المعلومات عبر بيان رسمي.
تكشف المعطيات المتاحة أن مصرف لبنان تكبّد خسائر بلغت نحو 343 مليون دولار خلال شهر واحد في عزّ المواجهات العسكرية، حين كانت رقعة الاشتباكات في أوسع امتداداتها. غير أن المشهد تبدّل بعد إعلان وقف إطلاق النار، إذ ارتفع احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان من 11.53 مليار دولار إلى 11.67 مليار دولار خلال النصف الأول من الشهر الماضي، مما يعني انتفاء أي ضغط فعلي على الليرة في هذه المرحلة.
تجدر الإشارة إلى أن إجمالي الليرة اللبنانية المتداولة لا يتجاوز 64.8 تريليون ليرة، وهو مبلغ يُعدّ محدوداً للغاية مقارنةً بسعر الصرف البالغ 89,500 ليرة للدولار، مما يرجّح أن يكون الحديث عن تحرير سعر الصرف في هذا التوقيت مجرد اختبار لردود الفعل.
يكشف التحليل الاقتصادي أن الأزمة الحقيقية تتمحور حول مصير احتياطيات مصرف لبنان، إذ يتنازع على هذه الأموال أطراف متعددة: المودعون الذين يطالبون باسترداد ودائعهم، والدولة التي تحتاج إلى تمويل رواتب موظفيها، فضلاً عن الحاجة إلى الدفاع عن سعر الصرف. وقد كانت الحكومة اللبنانية قبيل الحرب تسجّل فائضاً في الموازنة، بما مكّنها من ضخ أموال إضافية في احتياطيات المصرف المركزي، الذي ارتفع من نحو 8.7 مليار دولار عام 2023 إلى ما يقارب 12 مليار دولار. بيد أن الحرب قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ تراجعت عائدات الدولة جراء انخفاض حركة المطار بنسبة 68%، وتوقف كثير من الشركات عن العمل، بينما تضاعفت النفقات الاستثنائية المرتبطة بالإغاثة وإزالة الركام وإقرار سلسلة الرتب والرواتب.
يُعدّ مجلس النقد “Currency Board” الحل الأمثل في هذا السياق، إذ يوفر استقرار سعر الصرف من خلال تغطية الليرة بنسبة 100% من احتياطي الدولار، ويضمن في الوقت ذاته إعادة هذه الاحتياطيات إلى أصحابها من المودعين. يتيح هذا النظام الجمع بين هدفين متكاملين طالما بدَيا متعارضين: الحفاظ على استقرار سعر الصرف وإيفاء حقوق المودعين. ويكتسب اعتماد هذا النظام أهمية قصوى في بلد كلبنان يتعرض باستمرار لصدمات أمنية وعسكرية وسياسية متلاحقة، حيث يُفضي سعر الصرف العائم في مثل هذه الظروف إلى انهيارات متتالية مصحوبة بموجات من الهلع والمضاربة.
على الصعيد الإقليمي، يُلقي إغلاق مضيق هرمز بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي، لا سيما على أسعار النفط والمحروقات. تتضاعف تأثيراته السلبية لتشمل ارتفاع تكاليف النقل وأقساط التأمين البحري، وتصاعد أسعار الأسمدة التي تمر نسبة كبيرة منها عبر هذا المضيق، وهو ما يُفضي بدوره إلى غلاء أسعار المواد الغذائية على المستوى الدولي. تتفاوت درجة تضرر الدول المُصدِّرة للنفط تبعاً لموقعها الجغرافي؛ فدول كالكويت والعراق وقطر المحاطة بمضيق هرمز تقع في دائرة الضرر الأكبر، في حين تمتلك المملكة العربية السعودية والإمارات خطوط أنابيب بديلة تُخفف من وطأة الأزمة عليهما.
يعاني لبنان من تضخم من نوع خاص يجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي في آنٍ واحد، وهي ظاهرة تُعرف بـ”الركود التضخمي”. يستورد لبنان ما يزيد على 80% من احتياجاته الغذائية والأساسية، مما يجعله في غاية الهشاشة أمام أي اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية. ويزيد من حدة الوضع توقف الحركة الاقتصادية في جنوب البلاد وبيروت، وتراجع موسم السياحة الصيفية الذي كان يُسهم بنحو 60 مليار دولار في تنشيط الاقتصاد الوطني. وتشير التقديرات إلى أن لبنان خسر أربع نقاط مئوية من معدل نموه المتوقع، بما يعادل نحو مليار دولار، وذلك في ظل الأزمة الراهنة دون احتساب تكاليف الدمار المادي.
تترتب على استمرار الأزمة انعكاسات اجتماعية بالغة الخطورة، أبرزها تصاعد معدلات الفقر، وتفاقم ظاهرة التسرب المدرسي، وارتفاع معدلات الجريمة. وأمام هذا التحدي، يُقترح اعتماد نظام القسائم التعليمية “Education Vouchers” بوصفه آليةً فاعلة لضمان استمرارية التعليم في ظل الأزمة، إذ يمنح هذا النظام الطلاب منحاً تُتيح لهم الاختيار بين المدارس الرسمية والخاصة دون إثقال كاهل الموازنة العامة، مع توفير فرص عمل للمعلمين النازحين من مناطق الصراع.
تُعدّ إصلاحات الحوكمة الاقتصادية ركيزةً أساسية لا غنى عنها في هذه المرحلة، ولا سيما تفعيل الهيئات الناظمة في قطاعي الكهرباء والاتصالات والطيران، التي جرى تعيينها دون أن يُتاح لها حتى الآن مباشرة عملها بالشكل المطلوب. يمكن لهذه الهيئات، متى نهضت بمسؤولياتها كاملةً، أن تفتح الباب أمام الاستثمار الخاص في قطاع الطاقة المتجددة، وتخفيف أزمة الكهرباء المزمنة التي يعانيها لبنان.