زيادة الضرائب أم إصلاح الإنفاق؟ الطريق الحقيقي لمعالجة الدين العام

يتركّز البحث اليوم في وزارة المالية على ملف الدين العام، وذلك مع اختتام الاجتماعات الفنية التي عُقدت مع بعثة صندوق النقد الدولي. وتناولت هذه الاجتماعات أرقام الدين العام ومقاربة الصندوق الخاصة بإعادة هيكلته، بهدف التوصل إلى خط أساس موحّد يُعتمد لإعداد تحليل استدامة الدين العام. وتقرّر أن تُستكمل اللقاءات التقنية لاحقاً من أجل وضع الأسس الكفيلة بضمان استدامة الدين في مرحلة ما بعد إعادة الهيكلة.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل جوهري حول ما إذا كان لبنان قد اقترب فعلاً من التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشأن إعادة هيكلة الدين العام، وما هي أبرز النقاط التي لا تزال عالقة بين الجانبين حتى الساعة.

وتُشير المعطيات إلى أنه لا مجال للحديث عن إعادة هيكلة مجدية للدين العام قبل معالجة مسألة الإنفاق المفرط في الموازنة العامة. ويُضاف إلى ذلك، من جهة ثانية، استمرار خنق القطاعات المنتجة نتيجة إصرار الحكومة على التمسّك باحتكاراتها. ويستدعي هذان الأمران معاً فرض زيادات ضريبية على المنتجين في البلاد، أي على القطاع الخاص تحديداً، وهو ما سينعكس سلباً على مردود الضرائب في المستقبل.

ويترتّب على ذلك خطر حقيقي يتمثّل في احتمال ازدياد حجم الدين العام مجدداً، الأمر الذي يستوجب التريّث قبل الشروع في أي مسار لإعادة الهيكلة. وتقتضي الأولوية، بدلاً من ذلك، النظر في كيفية تحقيق فائض في الموازنة العامة، بهدف تخفيف عبء الدين العام والعمل على إفاقة الاقتصاد تدريجياً وبخطوات متأنية ومدروسة.

وتُبيّن هذه المعطيات مجتمعةً أن مسار إعادة هيكلة الدين العام في لبنان لا يمكن فصله عن الإصلاحات البنيوية المطلوبة في الموازنة العامة وفي بنية الاقتصاد ككل. ويُحتّم ذلك على الجهات المعنية معالجة الاختلالات المالية الأساسية أولاً، قبل الانتقال إلى أي خطوات تفاوضية متقدمة مع صندوق النقد الدولي. وتبقى استدامة الدين العام، في نهاية المطاف، رهناً بقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق، وتحرير القطاعات المنتجة من قيود الاحتكار، وتحقيق فائض أولي حقيقي في الموازنة يُتيح تخفيف عبء الدين تدريجياً دون اللجوء إلى إجراءات قد تضرّ بالقطاع الخاص وبالنمو الاقتصادي المنشود.

اضغط هنا لمشاهدة المشهد الاقتصادي كاملًا على قناة الجديد