ركّزت كلمات قادة العالم في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام على ثلاثة محاور اقتصادية رئيسية، وفي مقدّمتها كلمة الأمين العام أنطونيو غوتيريش. يتعلق المحور الأول بالذكاء الاصطناعي، إذ لا تقتصر أهميته على التقنية نفسها، بل تمتد إلى تأثيره في الطاقة والتضخم العالمي. يتصل المحور الثاني بالتغيّر المناخي وكلفته الباهظة على العالم، وقد سجّلت حرارة الأرض هذا العام ارتفاعًا يقارب درجة ونصف الدرجة وأكثر قياسًا بما قبل الثورة الصناعية. يتناول المحور الثالث اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبين دول العالم المتقدم والدول النامية، وما يرافق ذلك من أزمات تضخم وارتفاع في المديونية العالمية. يبقى أكثر من نصف أهداف التنمية المستدامة غير محقَّق قبل أربع سنوات من موعد انتهائها في عام 2030، بل تراجع بعضها إلى مستويات أسوأ مما كانت عليه عند إطلاقها عام 2015.
رفض الرئيس الأمريكي فرض قيود على الذكاء الاصطناعي، رغم دعوة أكثر من عشرين كلمة إلى وضع ضوابط له. يرى الرئيس الأمريكي أن هذه القيود ستحدّ من التفوق الأمريكي وتمنح منافسين مثل الصين أفضلية في تطوير برامجهم. يبرز أمن الطاقة في المقابل بوصفه أولوية أساسية، إذ ترتفع كلفة النقل ارتفاعًا حادًّا بسبب غياب التأمين وتزايد المخاطر في ممرات بحرية حيوية، منها باب المندب والبحر الأحمر والبحر الأسود. تقارب كلفة نقل برميل النفط اليوم نحو ربع ثمنه، أي قرابة 25 دولارًا، وهو ما يرفع أسعار الشحنات الفورية. يدفع ذلك بعض الدول إلى التفكير في تقييد صادرات المشتقات النفطية، وقد طبّقت روسيا هذا الإجراء حتى تشرين الأول، وقد تلجأ إليه الولايات المتحدة بمنع تصدير الديزل. تنتقل المشكلة عندئذٍ من ارتفاع الأسعار إلى فقدان هذه المواد من الأسواق، وهو أخطر أثرًا. تستقطب استثمارات الذكاء الاصطناعي وما يرافقها من منشآت طاقة وتخزين رؤوس أموال ضخمة، فيزداد الطلب على التمويل ويتعقّد مسار خفض أسعار الفائدة ومكافحة التضخم في الدول المتقدمة.
أظهرت الأحداث الأخيرة الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، الذي لم يحظَ باهتمام كبير قبل الحرب على إيران. يمرّ عبر هذا المضيق، بحسب بيانات الأمم المتحدة، ما بين 20 و25 بالمئة من النفط العالمي و20 بالمئة من الغاز، إضافة إلى كميات كبيرة من السلع والمواد الأساسية للزراعة. يؤدي تعطّل مرور الأسمدة والمواد الكيميائية إلى ارتفاع أسعارها وانعكاسه على الغذاء في العالم. يعاني شخص واحد من كل عشرة أشخاص في العالم من الفقر المدقع، ويفتقر ما بين 250 و300 مليون شخص إلى الغذاء الكافي. يعرقل ارتفاع أسعار الأسمدة جهود القضاء على الفقر والجوع، ويحدّ من تحقيق أهداف التنمية المستدامة. يُتوقَّع أن يبلغ النمو العالمي نحو 2 بالمئة إذا استمرت الحرب حتى نهاية العام، ويصل إلى 2.5 بالمئة في أفضل الأحوال، وهو رقم متدنٍّ قياسًا بحجم المديونية العالمية.
تبدو أوروبا من أكثر الاقتصادات تضرّرًا من ارتفاع أسعار الطاقة. تتأثر القارة بشدة بالحرب الروسية الأوكرانية، وبتراجع إمدادات الغاز من روسيا وأوكرانيا، وبتعطّل التصدير من البحر الأسود نتيجة الهجمات المتبادلة على منشآت النفط. تعاني أوروبا من تضخم مرتفع يدفعها إلى رفع أسعار الفائدة، ومن بطالة وهجرة غير مسبوقة تسعى ألمانيا ودول أخرى إلى الحدّ منها. تجعل هذه العوامل اقتصاداتها منهكة، وأقلّ قدرة على تحمّل الأزمات مقارنة بالولايات المتحدة والصين.
تترابط ملفات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي والمناخ ترابطًا عضويًّا، إذ يفاقم كل عنصر منها المشكلات الأخرى. يضعف المناخ القدرة على تطبيق أهداف التنمية المستدامة، ويحدّ من مكافحة الفقر والجوع، ويعزّز عدم المساواة بين الجنسين. يقيّد ارتفاع أسعار الطاقة قدرة الدول على النمو ويضطرها إلى رفع الفائدة، فيتراجع الاستثمار وتزداد المخاوف من الدخول في ركود تضخمي، أي ارتفاع الأسعار مع عجز عن تعزيز الاستثمار والنمو. يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف من انفلات هذه التقنية وتطورها ذاتيًّا خلال السنوات المقبلة. تُخشى كذلك فقاعة استثمارية في هذا القطاع تشبه فقاعة الدوت كوم، إذ لا يُعرف ما إذا كان العائد سيوازي حجم التمويل. تمتص هذه الشركات رؤوس الأموال على حساب بقية القطاعات والدول.
تنتقل المنافسة الاقتصادية العالمية اليوم إلى قطاعات استراتيجية جديدة. شهد الماضي منافسة في قطاعات مثل صناعة السيارات، بينما تتركّز المنافسة الرئيسية اليوم في التكنولوجيا. تنحصر القدرة على الوصول إلى هذه التقنيات ومواردها، الأرضية والتقنية والفكرية، في عدد قليل من الدول، وتتصدّرها الولايات المتحدة والصين. يزيد هذا التحول من الضغط على المناخ، لأن التقنيات تحتاج إلى مصانع طاقة وكهرباء بكميات كبيرة، وهو ما يرفع درجات حرارة الأرض ويفاقم التغيّر المناخي. يفسّر ذلك تحذير قادة الدول في الأمم المتحدة من هذه المخاطر بشكل متكرر.