على طريقة “لا يموت الديب ولا يفنى الغنم”، أعادت التسوية التي رعتها الحكومة بين العمال وأرباب العمل بدل النقل إلى ما كان عليه قبل زيادة رسم الـ300 ألف ليرة على البنزين في شباط الماضي، لتمويل الزيادة على رواتب القطاع العام. الكل خرج رابحاً: الدولة أبقت على الرسم وحوّلته ضمنياً من جيوب المواطنين إلى محاسبة المؤسسات؛ أرباب العمل ضمنوا عدم اعتماد حلول هيكلية لأزمة يعتبرونها ظرفية؛ والاتحاد العمالي العام حفظ ماء وجهه.
في المحصلة، عاد بدل النقل ليساوي خمسة ليترات من البنزين، كما كان مطلع شباط، قبل بدء موجة الارتفاع عالمياً وفرض رسم مالي داخلياً، عندما كان سعر صفيحة البنزين 20 دولاراً. عليه، لم يعد للعمال من مبرر للتذرع بعدم كفاية بدل النقل، شرط التزام أصحاب النقل بتعرفة متناسبة مع تغيّر أسعار المحروقات. إذ من غير المنطقي رفع تعرفة السرفيس بنسبة 100%، من 200 ألف ليرة إلى 400 ألف ليرة بين كانون الثاني وأيلول الحالي، في حين ارتفع سعر صفيحة البنزين 50%. فسعر البنزين يشكل، في الحد الأقصى، 30% من تعرفة النقل، ويمكن أن ينخفض تأثيره تبعاً للمسافة التي تقطعها وسيلة النقل بالراكب، وعدد الركاب الذين تنقلهم.
تعرفة النقل
بالتالي، فإن اعتماد تعرفة مدروسة للسيارات والحافلات كفيل بأن يجعل من خمسة ليترات بنزين كافيةً لذهاب الموظف وإيابه إلى عمله، وسحب فتيل التهديد بالشارع. هذا، مع الأخذ بالآلية التي تم الاتفاق عليها بعين الاعتبار، ووضع سقف للبدل، بحيث لا يقل عن 500 ألف ليرة ولا يتجاوز 800 ألف ليرة.
سحب السبب والإبقاء على المسبب
النجاح في سحب فتيل الشارع من اتحادات النقل البري، والذي كان سيتوسع، بحسب المعلومات، إلى نقابة الأساتذة والمعلمين في القطاع الخاص وغيرها من القطاعات، بحسب ما صرح رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الاسمر، لم ينجح في سحب المسبّب. فالزيادات الموضوعة على صفيحة البنزين، والتي تقارب ثلث ثمنها من رسوم وضرائب، ما هي إلا لتمويل كلفة تشغيل الدولة. والرسم الموضوع أخيراً، بقيمة 300 ألف ليرة، والذي كان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر المواطنين، ما هو إلا واحد من ثلاثة إجراءات لتمويل زيادة الرواتب الست التي أُقرت للموظفين من خارج الموازنة، وبقيمة تصل إلى حدود المليار دولار. وقد أدى هذا الرسم إلى امتصاص ما يقرب من 350 مليون دولار من الاقتصاد لتغذية الرواتب.
كلفة تشغيل الدولة
بشكل عام، تمثل رواتب وأجور الموظفين بمختلف مسمياتهم الوظيفية نحو 54% من مجموع نفقات موازنة 2027، وستبقى تشكل بين 50% و60% من الموازنات اللاحقة لغاية العام 2030، وذلك بالمقارنة مع متوسط لا يتجاوز 20% عالمياً. الأخطر، أن المطالبات بمضاعفات تصل إلى حدود 60 ضعفاً للراتب الأساسي تدريجياً لغاية العام 2030، غير مأخوذة بعين الاعتبار في الإطار المالي متوسط الأجل، الذي ينص على زيادة في النفقات لا تتجاوز 4.5% سنوياً، وهي أقل بكثير مما يطالب به الموظفون.
زيادة الرسوم حتمية
هنا سنكون أمام واحد من سيناريوهين: إما الاستمرار في الإضرابات والاعتصامات، ما يقوّض قدرة الدولة على الجباية، ويعطّل أعمال المواطنين، ويُبعد الاستثمارات، ويفقد المستثمرين شهية الاستثمار؛ وإما تلبية المطالب من خارج الموازنات، على غرار ما حصل بعد زيادة الرواتب الست الماضية، والتي رفعت متوسط ما يتقاضاه الموظف من 13 إلى 19 راتباً.
لتمويل هذه الزيادات، ستلجأ الحكومة إلى الرسوم. والطريقة الأسرع والأسهل والأضمن ستكون الرسوم على الاستهلاك، ومنها البنزين. وبحسب أرقام موازنة 2027، فإن الضرائب على الاستهلاك تمثل أكثر من 70%، وهي تتركز في ثلاثة أبواب رئيسية، هي المحروقات، والضريبة على القيمة المضافة، والرسوم الجمركية.
على الرغم من ثقل زيادة الأكلاف على مؤسسات متراجع رقم أعمالها بين 30% و50%، فإن أثقال الحرب وعدم الاستقرارين السياسي والأمني تبقى أكبر بما لا يقاس. فقبل دخول لبنان في الحرب، كان الاقتصاد يحقق النمو. وبحسب أوساط القطاع، فإن استمرار النمو كان من شأنه تحسين الأوضاع تلقائياً، ولكان شعر اللبنانيون بمختلف وظائفهم بانعكاساته الإيجابية. والمشكلة لا تقتصر على عدم النمو وتوقع انكماش قد يصل إلى 8% هذا العام، وتدني الناتج إلى 30 مليار دولار، إنما تكمن أيضاً في عدم وجود فترة استقرار متواصلة تدوم أكثر من ستة أشهر على الدوام. وهذا مصدر قلق دائم لأي اقتصاد وعائق أساسي لنهضة القطاع الخاص وتوفيره فرص العمل والمداخيل.
أقرت الزيادة على بدل النقل قياسا إلى سعر البنزين، ورفعت التعويضات العائلية إلى 3 ملايين ليرة للشريك و1.6 مليون ليرة عن كل ولد حتى 5 اولاد، وسيجري التفاوض على زيادة الحد الأدنى للأجور مقابل تسوية تعويضات نهاية الخدمة، لكن الوضع لن يتحسن. فسيولة المؤسسات شحيحة، والمتطلبات عليها كبيرة. فقبل رسم البنزين، كان هناك الرسم البيئي بين 1% و3%، وبعدهما سيكون هناك المزيد من الرسوم والكباش. وبحسب أوساط القطاع، فإن كل ليرة تُعطى للدولة ستُسحب من أمام الأجراء، لتمويل كلفة تشغيل الدولة. هذا هو بيت القصيد، الذي يجب أن يعقبه سؤال جوهري: ألم يحن الوقت لتخفيض نفقات الدولة وإعادة هيكلتها، للسماح للقطاع الخاص بالانطلاق؟
