أثار فتح مصرف لبنان “حساب استرداد الودائع” زوبعةً في أوساط المودعين. فالمودعون “الغارقون” في بحر ضياع مدّخراتهم، “تعلّقوا” بهذا الخبر، متأمّلين أن يوصلهم إلى برّ استرداد أموالهم غانمين. إلا أنّ المبادرة، على أهميتها، تبقى أعجز من أن تجمع ما أُهدر وسُرق وحُوّل ونُهب على مدار عقود من الزمن. ورغم إيجابية هذه المحاولة، فإنّ الحقيقة تقتضي التوقّف عند سؤالين أساسيين: من أين ستُستردّ الأموال؟ ولصالح مَنّ؟
في إطار مسؤولياته القانونية في حماية أمواله وموجوداته واستعادة حقوقه، أعلن مصرف لبنان أنه “باشر، ويواصل اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة أمام المراجع المختصّة في لبنان والخارج، سعياً إلى استرداد الأموال التي تعرّضت للاختلاس أو التحويل أو الاستخدام غير المشروع، أو التي جرى الاستفادة منها دون وجه حق. وتكريساً لهذا الالتزام، قام مصرف لبنان بفتح حساب خاص ومستقل لديه تحت تسمية “حساب استرداد الودائع”، وأخر خاص لدى المصارف المراسل، تُحوَّل إليهما حصراً جميع المبالغ والأموال التي تُستردّ لمصلحة المصرف، سواء بموجب أحكام قضائية أو تسويات قانونية أو أي إجراءات أخرى في لبنان أو الخارج. ويخصص هذا الحساب حصراً لتسديد الودائع، ويكون منفصلاً مالياً ومحاسبياً عن سائر موجودات مصرف لبنان وموارده، مع حظر استخدامه لأي غرض آخر.
لصالح مَن تسترد الأموال؟
أوّل ما يتوقّف عنده الأستاذ المحاضر في قوانين النقد والبنوك المركزية، توفيق شمبور، هو حصر وظيفة هذا الحساب باسترداد الودائع، وليس تخصيص الأموال المستردّة مباشرةً للمودعين. فهذا الأمر، الذي يبدو متطابقاً في الشكل، “قد يكون مختلفاً في المضمون، ويعكس قدراً من الحذر في مقاربة ملف استرداد الحقوق”، برأي شمبور.
أمّا ثانياً، فإذا كانت المصارف هي المودع لدى مصرف لبنان، فلماذا ستُوضع الأموال المستردّة في حساب خاص لديه، وليس في حساب المصارف مباشرةً؟ يسأل شمبور. وهل سيحتسب مصرف لبنان الأموال المستردّة لردّ الودائع مستقبلاً من حصّته، أم من حصّة المصارف؟
ما يعزّز جدوى هذه الأسئلة هو اختلاف وجهات النظر بين المصرف المركزي والمصارف التجارية في ما خصّ التوظيفات الإلزامية. ففيما تتمسّك المصارف التجارية بأنّ هذه المبالغ، التي تقارب اليوم 8 مليارات دولار، يجب أن تُحتسب من حصّتها في إعادة الودائع، يعتبر مصرف لبنان أنّ هذه الأموال ستُحسم من حصّته، لا من حصّة المصارف.
مِن مَن تستردّ الأموال؟
إنّ قرار مصرف لبنان، الذي لا يوضّح مباشرةً لصالح مَن ستُستردّ الأموال، يطرح، من الجهة المقابلة، سؤالاً ثانياً: مِن مَن ستُستردّ هذه الأموال؟ فهل سيُلاحق، بموجب هذا القرار، كلّ مَن تورّط، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تضييع حقوق المودعين؟
الجواب المباشر: لا.
“بإمكان مصرف لبنان استرداد الأموال المترتّبة لمصلحته في ذمّة الغير”، يقول الأستاذ المحاضر في قوانين الضرائب كريم ضاهر. وذلك انطلاقاً من كون المصرف المركزي شخصيّةً معنويّةً تتمتّع بالاستقلالين المالي والإداري. يُضاف إلى ذلك تمتّعه بصلاحيّات واسعة بموجب قانون النقد والتسليف، الذي يعتبره، في المادّة 13، “تاجراً في علاقاته مع الغير، ويجري عمليّاته وينظّم حساباته وفقاً للقواعد التجاريّة والمصرفيّة وللعرف التجاري والمصرفي، ولا يخضع لقواعد الإدارة وتسيير الأعمال وللرقابة التي تخضع لها مؤسّسات القطاع العام”.
وانطلاقاً من دوره وصلاحيّاته، يستطيع مصرف لبنان استرداد الأموال التي استُخدمت لتنشيط الاقتصاد، كتلك التي نصّ عليها التعميم 331، المتعلّق بإعطاء تسهيلات للمصارف بقيمة 300 مليون دولار لتشجيع الشركات الناشئة، وكذلك القروض السكنيّة، والأموال المختلسة والمسروقة والتي أُسيء الائتمان عليها، وغيرها الكثير من الأموال.
وعليه، فإنّ ما يمكن لمصرف لبنان استرداده يتعلّق حصراً بـ”الأموال الخاصّة العائدة إليه”، يؤكّد ضاهر. أمّا في ما خصّ الأموال العامّة، ولا سيّما تلك المرتبطة بالإجراءات القضائيّة المقامة خارج لبنان بتهم تبييض الأموال والإثراء غير المشروع، فالمسألة شائكة، وقد تخلق تضارباً بين صلاحيّات مصرف لبنان وصلاحيّات الدولة. وكان مجلس النواب قد أقرّ، في العام 2021، القانون 214، الذي أُنشئ بموجبه صندوق لإدارة واستثمار الأموال قيد الاستعادة أو المستعادة والناتجة عن أعمال الفساد. ويتمتّع هذا الصندوق بالشخصيّة المعنويّة والاستقلالين المالي والإداري، ويرتبط بالهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد.
وبحسب ضاهر، فإنّ المراسيم التطبيقيّة لهذا القانون قاربت الصدور. إلا أنّ الأموال المستردّة لصالح هذا الصندوق لا تُستخدم للتعويض على المودعين فحسب، بل إنّ طريقة استخدامها تتماشى مع المعاهدات الدوليّة التي تنصّ على ضرورة توظيف الأموال المعادة من جرائم الفساد في مكافحة الفقر أوّلاً، وتحقيق التنمية المستدامة ثانياً، والتعويض على المتضرّرين من أعمال الفساد ثالثاً. والأكيد أنّ المودعين يأتون في مقدّمة المتضرّرين من أعمال الفساد في لبنان.
كذلك، فإنّ موضع الاختلاف الأساسي بين صلاحيات مصرف لبنان وأحكام القانون 214 قد يكمن في أنّ جزءاً من القضايا التي تجري ملاحقتها يتعلّق بموظفين سابقين في مصرف لبنان. فهل تُعدّ الأموال المستردّة في هذه الحالات أموالاً خاصّة عائدة إلى المصرف المركزي، أم أموالاً عامّة تعود إلى الدولة؟ وإن كان من السابق لأوانه الجزم بأنّ مصرف لبنان سيتمكّن من استرداد جميع هذه الأموال بمفرده، فأن المسألة تحتاج بحسب ضاهر إلى دراسة معمّقة، وإلى تنسيق بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية، ممثّلةً بالحكومة، مع احتمال أن يكون لمجلس النواب دورٌ في هذا الإطار أيضاً.
الأموال المحولة إلى الخارج
تبقى مسألة أخرى تتعلّق بمصير الأموال التي نصّ قانون إعادة هيكلة المصارف على استردادها، ولا سيّما الأموال التي حُوّلت إلى الخارج بعد 1 تموز 2019، بالنسبة إلى المصرفيين والأشخاص المعرّضين سياسياً، وبعد 17 تشرين الأول 2019، بالنسبة إلى سائر الأفراد. فهذه المسألة منصوص عليها في القانون رقم 70/2025، المتعلّق بإصلاح وضع المصارف، والذي تناول إعادة هذه الأموال. كذلك، يتطرّق القانون الجاري إقراره، المعروف بقانون “الفجوة المالية”، أي قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، إلى إعادة هذه الأموال، من دون أن يحدّد آليةً عمليةً واضحةً لاستردادها، أو يبيّن مصيرها بعد استعادتها. ومن المرجح بحسب ضاهر أن تعود هذه الأموال إلى حسابات أصحابها، على أن يُحدَّد لاحقاً ما سيُترتّب على ذلك، وكيفية التعامل معها في إطار معالجة ملف الودائع.
المسار الذي بدأه مصرف لبنان يجب ألّا يقتصر على ردّة الفعل، أو الفعل في الوقت الضائع، إنما يجب أن يتكامل مع القانون 214 القاضي بإنشاء صندوق سيادي لاسترداد الودائع من الأموال المتأتية من مكافحة الفساد، والتنسيق مع الدولة لتحديد حصة كل طرف، إلى حين التعويض على المودعين.
