بنك صادرات إيران زال من لبنان.. كأنّه لم يكن موجوداً

صادرات إيران

منذ بدء تساقط عقوبات الخزانة الأميركية على بنك صادرات إيران في العام 2006، استمر البنك التابع له في لبنان في العمل لغايات غير مصرفية. عشرون عاماً بالتمام والكمال، والمصرف المنتشر في أربع محافظات محروم من التعامل بالعملة الخضراء، في اقتصاد مدولر بشكل شبه كلي، فيما يعرّض التعامل معه بالليرة المتعاملين، أفراداً كانوا أم كيانات، للعقوبات. وعلى هذا المنوال، لم يبقَ من المصرف “الميت” محلياً إلا الشعار المختصر BSI، المرفوع فوق فروعه الخمسة، بانتظار تحديد موعد “الدفن”.

في مقابلة مع “بلومبرغ”، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، أعلن حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، إلغاء الترخيص الممنوح لبنك صادرات إيران. وقال إن هذه الخطوة تهدف إلى “إرسال إشارة واضحة إلى الخارج مفادها أننا عازمون على حماية قطاعنا المصرفي من أي جهة قد تشكّل خطراً عليه أو تعرّضه لمخاطر مالية”.

اتخاذ القرار 

الإجراء الذي تجنّبته الإدارتان النقدية والسياسية السابقتان، أقدمت عليه الإدارة الحالية. وبغضّ النظر عن حجم المصرف ودوره، فإن وجوده يبقى عاملاً يهدّد سلامة القطاع المصرفي بشكل خاص، والوضع النقدي بشكل عام. وقد تلقّى الوفد اللبناني الرسمي، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول الماضي، تحذيرات أميركية على أعلى المستويات من تمدّد النفوذ المالي الإيراني في لبنان. وطالب الأميركيون بإقصاء هذا النفوذ، تفادياً لمزيد من الخضّات والمشكلات في بلد مدرج على اللائحة الرمادية للدول الخاضعة لمراقبة مجموعة العمل المالي في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية بالنظر إلى أن العقوبات المفروضة على بنك صادرات إيران تتعلق أساساً بدوره في تسهيل الأنشطة المالية لأذرع إيران في المنطقة، وعمله قناةً للربط بين الحكومة الإيرانية والجهات التي تخدم أجندتها.

التأثير

من الناحية المصرفية، لا يبدو أن سحب ترخيص بنك صادرات إيران وإقفال فروعه الخمسة المنتشرة في فردان والغبيري وبعلبك وصيدا وبرج البراجنة يشكّلان تهديداً فعلياً للقطاع المصرفي. والدليل، بحسب المعطيات المتاحة، عدم تعيين مدير بديل لتولّي تصفية المصرف، على غرار ما حصل مع مصارف أُقفلت بفعل العقوبات، كاللبناني الكندي وجمّال ترست بنك. كذلك، لم يترافق القرار مع توجيهات واضحة للمودعين والمقترضين بشأن كيفية استرداد أموالهم أو تسديد التزاماتهم. وهو ما قد يعكس محدودية الأثر التجاري والمصرفي للمصرف، وضآلة قاعدة عملائه.

في الأساس، لم يكن مودعو بنك صادرات إيران يستفيدون من تعميمَي مصرف لبنان رقمَي 158 و166، المتعلقين بتسديد الودائع. ويقول خبير المخاطر المصرفية والباحث في كلية سليمان العليان، الدكتور محمد فحيلي، إن “حجم التداول تقلّص بشكل دراماتيكي منذ فرض العقوبات، حتى أصبح شبه معدوم”. وحتى الجهات المرتبطة بالمصرف، التي لا تخشى العقوبات لكونها خاضعة لها أصلاً، استبدلت به مؤسسات أخرى، كـ”القرض الحسن”، لإيداع الأموال وإصدار بطاقات السحب والشراء.

وفي الآونة الأخيرة، جرى الاعتماد أيضاً على شركات تحويل الأموال، وسط معلومات عن استخدام آليات لتقسيط المدفوعات إلى دفعات صغيرة وتوزيعها زمنياً. وقد ساهم في ذلك، وفقاً لهذه المعطيات، اختلاف طبيعة الرقابة المفروضة على مؤسسات تحويل الأموال عن الرقابة المباشرة التي يخضع لها القطاع المصرفي من جانب مصرف لبنان.

لماذا يستمر عربياً؟

في الوقت الذي جرى فيه إقفال بنك صادرات إيران في لبنان، يستمر المصرف في العمل في العديد من البلدان العربية. وهو ما يطرح السؤال حول قدرته على العمل في بلدان مشهود لها باحترام متطلبات الامتثال.

في الحقيقة أن العقوبات الأميركية لا تؤدي تلقائياً إلى إقفال البنك داخل كل دولة، لكنها تفرض قيوداً مالية مشددة عليه، وتزيد من تعرّض المؤسسات الأجنبية التي تتعامل معه للعقوبات. لكن الفرق بين لبنان وبقية الدول، ولا سيما الخليجية منها، هو أن وجود المصرف واستمراره في العمل محكومان بقواعد صارمة، وهدفه مختلف. وإذا كانت العقوبات تقيّد تعامله بالدولار، فبإمكانه تقديم بعض الخدمات المحلية، أو حتى الدولية، شرط الحصول على موافقة استثنائية من وزارة الخزانة الأميركية عبر المصارف المركزية، بحسب فحيلي.

وينطبق ذلك إذا كانت المعاملة بالدولار ولحاجات غالباً ما تكون إنسانية، أو حتى إذا كانت “مرخّصة أو معفاة، بما في ذلك المدفوعات والتمويل المتعلق بتصدير السلع الزراعية والأدوية والأجهزة الطبية المشمولة بتراخيص”، بحسب ما تنص عليه آلية العقوبات. أما الاعتمادات المستندية المفتوحة، فقد لا تكون مع المصارف الأميركية، بل مع مصارف آسيوية أو غيرها.

إقفال بنك صادرات إيران خطوة تصبّ في مصلحة تعزيز الأمن الاقتصادي في بلد معرّض للانزلاق إلى المجهول في أي لحظة. ولا تجوز مقارنة لبنان بغيره من البلدان. فصحيح أن التشديد النقدي كبير، إنما القرار السياسي ما زال يواجه صعوبات في التطبيق، ولعل استمرار “القرض الحسن”، رغم كل المخاطر، خير دليل.