عاد ملف الكهرباء إلى صدارة الأولويات في لبنان بعد اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الحكومة نواف سلام في عين التينة. أكّد اللقاء ضرورة إيجاد حل جذري للأزمة، سواء عبر نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) أو من خلال اتفاق لبناني دولي يضمن معالجة مستدامة لهذا القطاع الحيوي. ويأتي ذلك بعد سنوات طويلة من انقطاع التيار الكهربائي وما رافقه من معاناة للبنانيين.
يلجأ عدد كبير من الحكومات التي تُثقلها المديونية العالية وعجز الموازنة إلى هذا النظام، لأنها لم تعد قادرة على تمويل المشاريع العامة والمرافق الكبرى كالأوتوستراد والمطار والجسر ومحطة الكهرباء. وقد أثبتت الإدارة العامة محدودية قدرتها على تأمين الخدمة المطلوبة بالسرعة والجودة والكلفة المعقولة، فبرزت الحاجة إلى التعاون مع القطاع الخاص. يتولّى المستثمر بموجب هذا النظام تمويل المشروع وبناءه وتشغيله خلال مدة تعاقدية محددة يسترد فيها أمواله، ثم ينقل ملكيته إلى الدولة عند انتهاء المدة.
تتصدّر الطاقة الشمسية المشاريع المطروحة ضمن هذا الإطار، فهي قطاع واعد يدعم الاقتصاد ويخفف عن المواطن والدولة أعباء فواتير الكهرباء والمولدات والغاز أويل. تتميّز هذه الطاقة بسرعة التنفيذ وانخفاض الكلفة وإمكانية تأمين تمويل محلي لها. وتستطيع خفض كلفة الكيلوواط الساعي إلى نحو عشرة إلى اثني عشر سنتًا، في مقابل كلفة تتراوح حاليًا بين 27 و70 سنتًا. ويتيح هذا الفارق للمواطن توجيه وفره نحو حاجاته الحيوية الأخرى، ويرفع قدرته الاقتصادية.
### الإطار القانوني والتنظيمي
يتوافر الإطار القانوني لهذا النوع من الشراكات، إذ ينظّم القانون رقم 48 الصادر عام 2017 العلاقة بين القطاعين العام والخاص. ويعمل المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة بنشاط ملحوظ، وقد تشكّلت الهيئات الناظمة. كما عُيّنت الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء تنفيذًا لقانون تنظيم القطاع الصادر عام 2002، وشُكّل مجلس إدارة جديد لكهرباء لبنان. يبقى توفير الظروف الاقتصادية والأمنية والقضائية التي تمنح المستثمر الطمأنينة وتضمن استرداد أمواله.
يمنح اعتماد اللامركزية في الإنتاج والتوزيع هذا المشروع فرصًا إضافية للنجاح. تتعاون البلديات واتحادات البلديات مع القطاع الخاص لإدارة شبكات مناطقها، فتعزل المنطقة بمداخل ومخارج على شبكة كهرباء لبنان. تسجّل المؤسسة كمية الطاقة المزوَّدة وتحاسب المنطقة دوريًا، بينما يتولّى القطاع الخاص ضبط التعليق على الشبكة وتأمين الجباية. وقد أثبتت تجربة كهرباء زحلة وكهرباء جبل لبنان إمكانية نجاح هذا النموذج فنيًا وتقنيًا. ويتيح هذا النموذج للمواطن الحصول على الكهرباء بسعر أقل بكثير من كلفة المولد أو فاتورة المؤسسة.
تقوم المقاربة المقترحة على مراحل متدرجة. تؤمّن الطاقة الشمسية نحو ثماني ساعات يوميًا، فتتركّز الكهرباء نهارًا على المدن والمراكز التجارية ومكاتب الأعمال والسفارات والإدارات، وتُوزَّع ليلًا على باقي المناطق. تتواصل خلال ذلك عملية تطوير قطاعي الإنتاج والتوزيع، وتُشغَّل المعامل القائمة بالغاز فور تأمين وصوله، لأن كلفة الغاز أويل مرتفعة. يوفّر هذا المسار في النهاية تغذية مستمرة على مدار الساعة بكلفة معقولة. ويرتفع عدد ساعات التغذية إلى ما بين 12 و14 ساعة إذا تحسّن أداء كهرباء لبنان، مقارنةً بما تؤمنه اليوم من ساعتين إلى ست ساعات.
تُظهر المعطيات أن 150 ميغاواط من تراخيص الإنتاج منحت لمستثمرين في مناطق مختلفة. وتتوافر لدى الدولة والبلديات مشاعات واسعة تخفّض كلفة الاستملاك، ما يجعل ربط الكهرباء بالشبكة ممكنًا خلال نحو سنة من بدء العمل. وتتجاوز قدرة الطاقة الشمسية القائمة حاليًا 1500 ميغاواط نتيجة مبادرات فردية من مؤسسات وصناعيين ومزارعين، أي ما يقارب ثلث حاجة لبنان. وتقدَّر كلفة المشاريع مجتمعة بأقل من مليار دولار.
تعثّرت تجارب سابقة، إذ رسا مشروع طاقة الرياح على شركة لم تتمكن من تأمين التمويل، ولم يكتمل مشروع محطة تغويز الغاز. وقد أفادت هذه التجارب بتحديد مواطن الصعوبة وما ينبغي معالجته. ويعود جانب من التعثر إلى سعي بعض المسؤولين إلى الاستفادة من الصفقات عبر ترتيب اختيار المستثمر. غير أن زمن الفوضى انتهى بتعيين الهيئات الناظمة وتسليط الضوء على القطاع، وصار من الصعب على أي جهة أن تعرقل المشروع. وتبرز الحاجة إلى وقف المنافع غير المشروعة المرتبطة بالمحروقات والمولدات واستيراد الغاز أويل.
يمتد نطاق الاستفادة من نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية إلى قطاعات أخرى. يشمل ذلك بناء معامل جديدة في القاديشا وإنتاج الطاقة من المياه. ويشمل كذلك إعادة بناء مصافي تكرير النفط في طرابلس والزهراني، فتؤمّن البنزين والغاز المنزلي للسوق المحلية ويُصدَّر الفائض. يتطلب كل ذلك استقرارًا سياسيًا وأمنيًا، وإعطاء الأولوية لتشغيل المعامل القائمة وضبط مالية مؤسسة كهرباء لبنان ومراجعة كلفة الإنتاج والحد من الهدر والسرقات.
تستدعي أزمة الكهرباء حلًا جذريًا لم يعد يحتمل التأجيل. يشكّل نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص مسارًا واعدًا، شرط أن تتكامل عناصره القانونية والتنظيمية مع الاستقرار السياسي والأمني والثقة القضائية.