انتقال بورصة بيروت إلى الفريش دولار حتمي لكن تنفيذه بترتيب خاطئ قد يبدّد السيولة القليلة المتبقية في السوق. أما إرجاؤه بلا خريطة طريق، فيُبقي الأسعار معلّقة بين وحدتي قيمة نقديّة ويضاعف كلفة الأزمة.
بقلم د. غسان شمّاس*
تبرز في الآونة الأخيرة توجهات نحو طرح انتقال بورصة بيروت من التداول بالدولار المصرفي، أو «اللولار»، إلى الدولار النقدي القابل للتحويل، أو «الفريش». الفكرة سليمة في اتجاهها، بل تكاد تكون حتمية. غير أن طرحها كأنها قرار إداري يُتخذ في اجتماع ويُعلن في بيان يختزل مسألة أعقد بكثير.
لنبدأ من القاعدة الأساسية: الرمز الظاهر على شاشة التداول لا يكفي لتحديد الطبيعة الاقتصادية للعملة. الذي يحسمها هو الأصل النقدي المقبول في المقاصة والتسوية؛ أي المال الذي ينتقل فعلياً من المشتري إلى البائع عند إتمام الصفقة. فعمليات بورصة بيروت التي تتم عبر «ميدكلير»، تسوّى على أساس التسليم مقابل الدفع، فيما تتم المقاصة النقدية لدى مصرف لبنان. فإذا كان الدفع يُنجز بحقٍ مصرفيٍ محلي، مقيّد وغير قابل للتحويل الحر، بقي السعر اقتصادياً، سعراً بالدولار المصرفي «اللولار»، حتى لو حمل رمز USD.
بعبارة أخرى، لا يمكن لسوق أن تتداول بوحدة أفضل من الأصل النقدي الذي يضمن نظامها تسليمه. لذلك لا يبدأ السؤال من «هل ننتقل إلى الفريش؟»، بل من ثلاثة أسئلة أدق:
- ما الأصل النقدي المؤهل للتسوية؟
- من يضمن قابليته للسحب والتحويل؟
- وهل أموال العملاء معزولة قانونياً وتشغيلياً عن مطلوبات الجهاز المصرفي القديمة؟
أرقام بورصة بيروت
تكشف الأرقام طبيعة السوق بوضوح. في النصف الأول من 2026، بلغت قيمة التداولات نحو 174 مليون دولار، مقابل قرابة 140 مليوناً قبل سنة، بزيادة تقارب 24 في المئة. وتجاوز عدد العمليات 14 ألفاً، مقابل نحو 8,250 عملية، فيما تراجعت الرسملة الاسمية للسوق إلى 18.47 مليار دولار من 23.51 ملياراً. واستحوذت أسهم «سوليدير» وحدها على 67.6 في المئة من قيمة التداول. وهذه أرقام مقيدة باللولار وفق آلية التسوية القائمة، ولا يجوز مساواتها تلقائياً بقيمتها بالدولار النقدي.
تحويل الودائع إلى أسهم
هذه البنية تجعل البورصة، إلى جانب وظيفتها الاستثمارية المحدودة، منفذاً لتحويل جزء من الودائع العالقة إلى أوراق مالية. فالطلب على «سوليدير»، مثلاً، لا يعكس تقييماً لأصولها العقارية وأرباحها المتوقعة فحسب؛ بل يعكس أيضاً رغبة بعض المودعين في استبدال مطالبة مصرفية مقيّدة بأصل قابل للتداول. وهكذا يختلط في السعر عاملان: القيمة الاقتصادية للسهم، والقيمة الضمنية للدولار المصرفي المستخدم في شرائه. ويمكن تقريب العلاقة بينهما بمعامل الحسم السائد على الودائع، لكن لا يمكن اختزالها فيه، لأن السيولة والمخاطر والقيود التشغيلية تؤثر بدورها في السعر.
هنا تكمن الحجة الأقوى للانتقال إلى التسوية بالدولار القابل للتحويل: فصل سعر الورقة المالية عن سعر المطالبة المصرفية وإعادة اكتشاف السعر في سوق أوضح.
كما أن اعتماد الدولار المصرفي يضع المستثمر الخارجي أمام عقبتين: تمويل الشراء ثم إعادة الأموال إلى الخارج. وقد أبقى تقييم «إم إس سي آي» لعام 2026 لبنان ضمن الأسواق المنفردة، وسجّل قيوداً على حركة الرساميل ومَواطن ضعف تشغيلية ومؤسساتية. ولا يمكن لبورصة تطمح إلى اكتتابات وزيادات رأسمال وإصدارات جديدة أن تستقطب رأس مال حقيقياً من دون أداة تسوية قابلة للتحويل.
الاكتتاب بأسهم المصارف
لكن بورصة بيروت ليست محايدة تجاه إعادة هيكلة القطاع المصرفي، لأن جزءاً كبيراً من أوراقها المدرجة تعود للمصارف التجارية على شكل أسهم عادية وممتازة وشهادات إيداع. في أيار 2026 شكّل القطاع المصرفي نحو 70 في المئة من عدد الأسهم المتداولة، مقابل نحو 30 في المئة للقطاع العقاري، بينما انعكست الصورة من حيث القيمة. وبحسب إقفالات نهاية الشهر، بلغت القيمة السوقية الاسمية لـ«سوليدير» نحو 11.68 مليار لولار: 100 مليون سهم من الفئة «أ» بسعر 70.65 لولاراً، و65 مليون سهم من الفئة «ب» بسعر 71 لولاراً. هذا حساب صحيح للرسملة الاسمية، لكنه ليس تقييماً رسمياً بالدولار «الفريش» ولا تقديراً مؤكداً لقيمة الشركة القابلة للتحقق.
ومن هنا السؤال البديهي: لماذا يشتري مودع اليوم أسهماً مصرفية، فيما تقتضي القواعد الدولية لإعادة الهيكلة أن يتحمل المساهمون وأصحاب تراتبيّة المطالبات الأدنى مرتبة الخسائر قبل المودعين؟
تكمن الإجابة جزئياً في تراتبية المطالبات وفي اختلاف توقعات المشترين. فمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي أقره مجلس الوزراء، يَعِد برد الحسابات الصغيرة تدريجياً وبنسب أعلى، فيما تنخفض القيمة الحالية المتوقعة للودائع الكبيرة، وفق بعض القراءات، إلى نحو 28 في المئة. أما حقوق المساهمين فتظل في ذيل سلم الخسائر. غير أن هذه النسب ليست حقوقاً نهائية بعد؛ فهي أحكام في مشروع لم يكتمل مساره التشريعي، وقد تتغير مع التعديل والتنفيذ.
ويختلف شراء سهم «سوليدير» عن شراء سهم مصرف ما في بورصة بيروت. ففي الحالة الأولى يستبدل المودع وديعته باللولار بأصل في شركة عقارية منفصلة، وهي مقايضة قد تكون منطقية عند سعر مناسب. أما شراء سهم في مصرف، وخصوصاً في المصرف الذي يحمل الوديعة نفسها، فيحوّل صاحب المطالبة من دائن إلى مالك يتحمل الخسارة قبل الدائنين. وإذا كان السهم في مصرف آخر، فهو لا يخرج من مخاطر القطاع بل يبدّل الجهة التي يتعرض لها. والأسهم الممتازة ليست استثناءً: تتقدم على الأسهم العادية، لكنها تبقى أدنى مرتبة من الودائع وسائر الديون غير التابعة.
ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الرسملة السوقية والطاقة الفعلية لهذه القناة. فالرسملة هي حاصل ضرب سعر السهم بعدد الأسهم، لا كمية الأسهم المعروضة للبيع ولا المبلغ الذي يمكن للسوق امتصاصه. ونسبة التداول التي بقيت في حدود متدنية تؤكد ضيق السوق. لذلك يُقاس الأثر بما ينفذ فعلاً، وبهوية البائع، وبما إذا كانت الأسهم متداولة بين مستثمرين أم صادرة عن المصرف نفسه. فالصفقة الثانوية هي فعليّاً استبدال وديعة بِاسْهم بين طرفين، لكنها لا تمحو، بذاتها، مطلوبات المصرف ولا تزيد رأسماله.
الرهان على تسوية أقل قسوة
وقد يقال إن مشتري السهم المصرفي لا يجهل المخاطر، بل يشتري «قيمة خيارOption»: رهاناً على تسوية أقل قسوة، أو على إعادة رسملة تُبقي قيمة للمساهم القديم، أو على نتيجة قضائية أفضل. والاعتراض وجيه. فحقوق ملكية المصرف المتعثر تشبه، اقتصادياً، خيار شراء بعيداً عن نطاق الربحية(OTM-out of the money) ؛ وقد تبقى لها قيمة زمنية أو احتمالية حتى حين تكون القيمة الحالية للأصول دون المطلوبات. لكن تسعير هذا الخيار بالدولار المصرفي يضيف إلى مخاطر السهم مخاطرة أخرى هي قيمة وحدة الدفع نفسها.
هنا يلزم قدر أكبر من الدقة. شراء أسهم مصرفية في السوق الثانوية ليس، في حد ذاته، تحويلاً للدين إلى رأس مال على ميزانية المصرف، ولا «إنقاذاً داخلياً» بالمعنى القانوني؛ إنما هو مبادلة طوعية بين مطالبة مصرفية وحق ملكية أدنى مرتبة، تتغير فيها هوية حاملي المطالبتين. ولا تصبح العملية إعادة رسملة أو تحويلاً فعلياً للدين إلا إذا أصدر المصرف أسهماً جديدة، أو باع أسهماً يملكها، وأُطفئت في المقابل وديعة أو مطالبة عليه. غير أن غياب الشفافية حول هوية البائعين ومصادر التمويل يبقى سبباً كافياً لطلب إفصاح ورقابة أشد.
ولهذه التحولات أثر يتجاوز المبالغ المتداولة إلى خريطة الملكية نفسها. فاتساع قاعدة المساهمين لتشمل مودعين صغاراً قد يعقّد سياسياً تطبيق مبدأ تحميل رأس المال الخسائر أولاً، حتى من دون قصد مسبق أو تنسيق. لكن هذا احتمال في الاقتصاد السياسي، لا واقعة مثبتة؛ وإثباته يتطلب بيانات عن المالكين المستفيدين وتطور سجل المساهمين، لا الاكتفاء بأحجام التداول الإجمالية.
ويضاف إلى ذلك بعد أوسع. لا سعر صرف رسمياً موحداً للدولار المصرفي مقابل الدولار «الفريش»، وما يتوافر هو أسعار متفرقة للشيكات والحقوق المصرفية، تتباين باختلاف المصرف والحساب والقيود. أما وجود خطين منظمين للورقة نفسها، أحدهما يُسوّى بالدولار المصرفي والآخر بالدولار القابل للتحويل، فيمكن أن يكشف سعراً ضمنياً للفارق بين الأصلين، شرط أن تكون قواعد الانتقال بين الخطين واضحة وأن تتوافر سيولة كافية. عندئذ يصبح فارق السعر مرجعاً قابلاً للرصد، لا مجرد تقدير شفهي.
والمشكلة اليوم ليست في غياب موقف معلن من المصارف فحسب، بل في غياب خريطة طريق منشورة تحدد المسؤوليات والمواعيد وشروط الانتقال. ومن المفهوم أن تنتظر المؤسسات وضوح قوانين إعادة الهيكلة واسترداد الودائع قبل اتخاذ مواقف نهائية. لكن استمرار الغموض يحمّل المتعاملين كلفة عدم اليقين، ويجعل التأجيل نفسه خياراً ذا آثارٍ توزيعية، سواء قصدها أحد أم لم يقصدها.
صدمة إعادة التسعير
أما الجانب الآخر من المسألة فيبدأ بصدمة إعادة التسعير. فإذا كان الدولار المصرفي يساوي في السوق ما بين 15 و20 سنتاً من الدولار القابل للتحويل، فإن سهماً مسعراً بثمانين دولاراً مصرفياً قد يظهر، على سبيل التقريب، بين 12 و16 دولاراً نقدياً. وهذا ليس بالضرورة انهياراً اقتصادياً جديداً، بل تغيير في وحدة القياس؛ إلا أن أثره المحاسبي والمالي حقيقي على المحافظ وعلى الأسهم المرهونة ضماناً، كما أن السعر النهائي قد يبتعد عن هذا الحساب بفعل العرض والطلب والسيولة.
والمحذور الثاني هو انكماش السيولة. فجزء كبير من الطلب الحالي تحركه الرغبة في الخروج من الودائع، وإغلاق هذه القناة قبل وصول طلب بديل قد يجمّد السوق. ولهذه الآلية، على تشوهها، وظيفة اجتماعية محدودة: أتاحت لبعض المودعين تحويل جزء من أموالهم إلى أصل قابل للبيع. لذلك ينبغي ألا يكون الانتقال قفزة مفاجئة، بل مساراً تدريجياً يحمي المتعاملين ويمنع فراغ السيولة.
ويبقى القيد الملزم هو بنية التسوية. فالدولار «الفريش» لا يكون كذلك إلا إذا أمكن سحبه وتحويله، وكانت حساباته مفصولة تشغيلياً ومحمية من المقاصة مع المطلوبات القديمة. وقد أرست تعاميم مصرف لبنان، ولا سيما ما يتعلق بالأموال الجديدة وأنظمة الدفع، تمييزاً تنظيمياً بين الحسابات القديمة والجديدة، لكن لبنان لا يزال يفتقر إلى قانون شامل للضوابط على رأس المال. لذلك لا يكفي التعويل على تعاميم قابلة للتعديل أو الطعن لبناء نهائية تسوية يُفترض أن تستقطب المستثمرين المحليين والأجانب.
كيف يُنفذ الانتقال؟
انطلاقا مما تقدم لا ينفذ الانتقال في بورصة بيروت بقرار منفرد، بل بإطار مشترك بين هيئة الأسواق المالية ومصرف لبنان وبورصة بيروت و«ميدكلير». يبدأ ذلك بتعريف الأصل النقدي المؤهل للتسوية، وتحديد نهائية الدفع وحماية أموال العملاء، واعتماد حسابات مفصولة وتمويل مسبق للمشتري وتسليم مقابل الدفع. ويوازيه تحديث البنية التقنية للسوق، مع استكمال مشروع تطوير منصة التداول الذي بدأ باتفاق عام 2014 مع «يورونكست» حول منصة «يو تي بي هايبرد»، بدلاً من الخلط بينها وبين منصة «أوبتيك» التي أطلقتها «يورونكست» لاحقاً.
أما آلية الانتقال فهي الخيار الجوهري. فالأسلم ليس فرض مُعامل تحويل شامل في يوم واحد، بل فتح خط تسوية بالدولار القابل للتحويل تدريجياً، بدءاً بالإصدارات والاكتتابات الجديدة، ثم إتاحته للأوراق القائمة ضمن فترة انتقالية. وإذا اعتمد خطان متوازيان للورقة نفسها، وجب استخدام معرّفات واضحة وقواعد معلنة لنقل المراكز بينهما، مع نشر أحجام التداول وبيانات التسوية ومنع التلاعب. عندها تكتشف السوق معامل الحسم، بدلاً من أن تفرضه السلطة؛ فوظيفة المنظم ضمان نزاهة التسوية، لا تحديد السعر.
ويقع ذلك كله ضمن تسلسل إصلاحي أوسع: تطبيق قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها بعد استكمال تعديلاته، وإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الذي لا يزال في البرلمان، ووضع إطار قانوني للضوابط على رأس المال، وإظهار مركز مصرف لبنان المالي بوضوح، والتوصل إلى برنامج إصلاحي متكامل مع صندوق النقد الدولي. ويمكن إنجاز التحضير التقني قبل اكتمال هذا المسار، لكن السوق ستظل تسعّر هشاشة القانون ما دام الإطار الشامل غائباً.
الانتقال إلى الدولار القابل للتحويل، إذا نُفذ بهذا الترتيب، يمكن أن يعيد بورصة بيروت من نافذة ضيقة لتدوير الودائع إلى سوق قادرة على اجتذاب رأس المال. أما الانتقال المتعجل فقد يطيح السيولة من دون أن يبني بديلاً، فيما يكرس التأجيل المفتوح ازدواجية الأسعار ويبدد الثقة. الفارق ليس في شعار «الفريش»، بل في هندسة التسوية وشفافيتها وتوقيتها.
*د. غسان شمّاس مستشار التمويل المؤسسي وأسواق المال وإدارة المخاطر
