ضريبة الشغور “تضرب” الحق في السكن بـ “عرض” حق المالك الانتفاع بملكه

السكن

تقَاطع اقتراح القانون الذي تقدّم به النائبان حليمة قعقور وسيمون أبي رميا، والرامي إلى فرض ضريبة على الوحدات السكنية الشاغرة، مع المادة 37 من مشروع قانون موازنة عام 2027، لجهة إخضاع الملكية الخاصة لضرائب إضافية. بغض النظر عن التوافق أو إلاختلاف على الأسباب الموجبة للعودة إلى مثل هذا الطرح، فإن السؤال المحوري يكمن في إن كان هذا النوع من الضرائب “التأديبية” يؤدي الغاية المنشودة منه؟ وتوازياً، إن أثبتت مثل هذه الضرائب فعاليتها في بعض الدول، هل نقلها “نسخاً وتطبيقاً” يصح في الحالة اللبنانية؟

يرى مقدّما اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء إعفاء الوحدات السكنية الشاغرة من الرسوم والضرائب، أن هذه الخطوة قد تسهم في معالجة أزمة السكن في لبنان. وينطلقان في طرحهما من وجود 380 ألف وحدة سكنية شاغرة، 20% منها في بيروت. ويعتبران أن إلغاء الإعفاءات من شأنه تشجيع المالكين على طرح وحداتهم السكنية للإيجار، بما يساهم في الحد من الأزمة السكنية وتعزيز إيرادات البلديات، التي تُقدَّر خسائرها الناجمة عن الشغور بنحو 240 مليون دولار.

المادة 37 من الموازنة

في المقابل، تنص المادة 37 من مشروع قانون موازنة 2027، التي تعدّل قانون ضريبة الأملاك المبنية، ولا سيما المادة 15 منه، على إعفاء الأبنية السكنية التي ينشئها تجار الأبنية الخاضعون لضريبة الدخل من الضريبة المرتبطة بالشغور لمدة ثلاث سنوات، مقابل سنة واحدة للأبنية السكنية التي ينشئها غير هؤلاء التجار. وخلال هذه المهلة، تستفيد الأبنية المستوفية للشروط من وقف احتساب الإيرادات بسبب الشغور.

أما إذا بقيت الشقة فارغة بعد انقضاء المهلة، فتُحتسب الضريبة على أساس 50% من الإيرادات التأجيرية المقدّرة. بعبارة أخرى، تقدّر وزارة المالية الإيراد الذي كان يمكن أن تحققه الشقة لو أُجّرت، ثم تعتمد نصف هذا الإيراد أساساً لاحتساب الضريبة، من دون أن تحدد المادة 37 نفسها نسبة الضريبة المفروضة.

وفي حال تأجير الشقة أو إشغالها فعلياً، فتُحتسب الضريبة على أساس كامل الإيرادات المقدّرة المرتبطة بفترة الإشغال. ويُضاف إلى ذلك رسم سنوي يدفعه المستأجر، يعادل 8.5% من القيمة التأجيرية إذا كان المأجور سكنياً، و10% إذا كان تجارياً.

حق المالك الانتفاع بملكه

في الحالتين، فإن “فرض ضريبة على شغور المساكن يمسّ حق المالك في حرية الانتفاع بملكه، واتخاذ القرار بشأن تأجيره أو الاحتفاظ به أو ترميمه أو بيعه، ضمن أحكام القانون”، تقول رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات أنديرا الزهيري، و”لا يجوز إلزام المالك بتأجير ملكه تحت ضغط الضرائب”. فالشغور بحد ذاته “لا يشكّل مخالفة”، تضيف الزهيري، و”الملكية الخاصة ليست جريمة”.

ما يُطرح من اقتراحات ومشاريع قوانين باعتباره حلاً لأزمة السكن يتجاهل أن معالجة هذه الأزمة تتطلب سياسة إسكانية متكاملة، لا إجراءات ظرفية تقوم على تحميل أصحاب الأملاك أعباء إضافية. فطرح الشقق للإيجار أو البيع تحت ضغط الضرائب لا يعني بالضرورة أن المواطنين قادرون على استئجارها أو شرائها.

ففي حين لا يقل متوسط إيجار شقة بمساحة 70 متراً مربعاً في بيروت عن 500 دولار شهرياً، تشير بعض الأرقام إلى أن 40% من اللبنانيين لا يتجاوز دخلهم السنوي 5,000 دولار، فيما لا يتخطى دخل 50% منهم 533 دولاراً. أما الشريحة العليا، التي تُقدّر نسبتها بنحو 9%، فيبلغ دخلها نحو 15 ألف دولار سنوياً.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واسعة بين كلفة السكن وحجم المداخيل لشريحة كبيرة من اللبنانيين، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة المواطنين على تحمّل إيجارات الشقق في العاصمة. فكيف يمكن لأسرة ذات دخل محدود أن تخصّص 6,000 دولار سنوياً لاستئجار شقة صغيرة، فيما لا يتجاوز دخلها السنوي هذا المبلغ أو يقل عنه بكثير؟ فيما نسبة الواحد بالمئة المتبقية التي يتجاوز دخلها السنوي 100 ألف دولار، فهي على الأكيد تملك مسكنها الخاص وليست بحاجة إلى شقة مستأجرة.

هذا إذا انطلقنا من إيجار شهري يبلغ 500 دولار، في حين تتجاوز إيجارات العديد من الشقق التي تزيد مساحتها على 180 متراً مربعاً ألفَي دولار شهرياً، وقد ترتفع إلى مستويات أعلى بكثير في الوسط التجاري والواجهة البحرية وبعض الأحياء الأكثر ثراءً. وهو ما يوسّع الفجوة بين كلفة السكن والقدرة الشرائية للمواطنين، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة زيادة المعروض من الشقق، بفعل فرض الضرائب على الشغور، على معالجة أزمة السكن، ما لم تترافق مع سياسات تراعي محدودية دخول شريحة واسعة من اللبنانيين.

القدرة على التملك

إضافة إلى ذلك، كان جزء كبير من اللبنانيين يعتمد على القروض السكنية لشراء شقق صغيرة، تُسدَّد قيمتها على مدى يصل إلى 30 عاماً، سواء عبر المصارف التجارية أو المؤسسة العامة للإسكان. لكن مع انهيار القطاع المصرفي وتوقّف الإقراض السكني، إلى جانب توقّف قروض المؤسسة العامة للإسكان، أصبح تملّك شقة سكنية مهمة شبه مستحيلة بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين.

وحتى إذا افترضنا أن بعض الجهات لا تزال توفّر التمويل السكني، ومنها مصرف الإسكان، فإن شروط الاستفادة من هذه القروض، تعتبر خارج نطاق اكثرية الأجراء والموظفين في القطاعين العام والخاص. ففي الوقت الذي تصرح معظم المؤسسات عن مداخيل تناهز الحد الأدنى للأجور والمحدد بـ 312 دولار، يتطلب الحصول على قرض بقيمة 100 ألف دولار دخلا يفوق 1500 دولارا شهريا.  

سواء تناولنا المسألة من زاوية محاسبية بحتة، تتصل بالدخل وكلفة السكن والقدرة على الاقتراض، أم من زاوية اجتماعية ترتبط بحق المواطنين في السكن اللائق، فإن المشكلة تتجاوز مجرد توافر الشقق في السوق. فحتى المناطق التي كانت توفّر مساكن أقل كلفة، ولا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت، تواجه تحديات أمنية ومعيشية قد تحدّ من رغبة البعض في التملّك أو الاستئجار فيها. أما مناطق أخرى، فقد شهدت ارتفاعاً في الكثافة السكانية وضغطاً متزايداً على البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما يحدّ من قدرتها على استيعاب مزيد من السكان.

في ظل هذه الظروف، لا يكفي دفع المالكين إلى طرح شققهم الشاغرة للبيع أو الإيجار، ما لم تترافق هذه الخطوة مع سياسات تمويل سكني فعّالة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الأوضاع الأمنية والمعيشية، بما يتيح للمواطنين الوصول إلى مساكن تتناسب مع مداخيلهم واحتياجاتهم.

فرض ضريبة على الشقق السكنية الشاغرة قد يفاقم الأعباء المالية على المالكين، ويدفع بعضهم ممن لا يرغبون في تأجير أو بيع مملتلكاتهم إلى رفع الإيجارات للحد من الطلب، فيما قد يفضّل آخرون إبقاء شققهم خارج سوق التأجير تفادياً للمخاطر والأعباء المرتبطة به. وفي الحالتين، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الوحدات التي يقرر أصحابها تأجيرها. وهكذا، نكون أمام حلقة جديدة من التضخم، تمسّ حرية المالكين في التصرف بأملاكهم، وتزيد الأعباء المالية على المواطنين، من دون ضمان تحقيق الهدف المعلن المتمثل في تخفيف أزمة السكن.