مفاوضات صندوق النقد تُستكمل في بيروت.. هل تتضح الصورة بعد ضبابية بانكوك؟

صندوق النقد

 

“التناقض جوهر الكون”، قالها المفكر البرتغالي فرناندو بيسوا قديماً، واهتدى إليها حديثاً أصحاب المصلحة في توزيع خسائر الانهيار الاقتصادي اللبناني ومعالجة الأزمات. فـ”الوفد رفيع المستوى إلى اجتماعات بانكوك كان يحمل أجندة متناقضة فيما بين أعضائه، وبينه وبين الجهات الخارجية”. بهذه العبارة لخّص المطلعون جوهر المحادثات التي أجراها الوفد، في صلب اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي السنوية وعلى هامشها.

إذا كانت الحياة لا تسير وفق منطق واحد، بحسب بيسوا، فإن التناقض اللبناني لم يُعطّل مسار المفاوضات مع صندوق النقد، بل على العكس. فبحسب معلومات خاصة بـ”ليبانون ماترز”، ستزور لبنان الأسبوع المقبل بعثة مالية تقنية متخصصة، لاستكمال مناقشات بانكوك مع المسؤولين، والعمل على ملفين محوريين، هما الفجوة والإطار المالي العام. وتنصبّ الجهود خلال هذه الفترة على “إصلاح ذات البين” وتقريب وجهات النظر، ولا سيما في ما يخص الفجوة، بين وزارة المالية ومصرف لبنان من جهة، وبين المصرف المركزي وجمعية المصارف من جهة ثانية. وكان مصرف لبنان قد بدأ فعلياً العمل على هذا المسار، من خلال الاجتماع الذي عقده مؤخراً في فرنسا مع مجموعة من المصارف المختارة، سعياً إلى التوصل إلى حلّ متفق عليه.

الإطار المالي

ما سيناقش في الداخل خلال الأسابيع المقبلة لا ينفصل عمّا دار في الخارج، حيث ستركّز المباحثات على استمرار النهج التقشفي الذي تعتمده الحكومة، بالتوازي مع زيادة التحصيل الضريبي وفرض الغرامات على المتخلفين عن السداد، والعمل على بلورة طرح مصرف لبنان لحل أزمة الودائع.

وفي الطرحين تكمن مجموعة من التناقضات، بحسب الزميلة الأولى ومديرة برامج الحماية الاجتماعية في مبادرة الإصلاح العربي، فرح الشامي. فزيادة التحصيل الضريبي من خلال الضرائب غير المباشرة، ولا سيما تلك المفروضة على الاستهلاك، سيقع عبؤها على الفئات الأقل دخلاً، ما يزيد من معدلات الفقر. في المقابل، تؤدي سياسة مكافحة الفقر عبر الاقتراض من الخارج إلى إرهاق المالية العامة، وتكبيد الخزينة مدفوعات فوائد كبيرة جداً سنوياً، تذهب لسداد القروض ومستحقاتها، بدلاً من توظيفها في التنمية الداخلية. هذا من دون التطرق إلى أن جزءاً ليس قليلاً من هذه القروض يذهب إلى بناء القدرات، ولا يصل إلى الفقراء.

والغريب، بحسب الشامي، هو الإصرار على هذه السياسة، رغم مشاركة الوفد اللبناني في بانكوك في جلسات أظهرت حجم مخاطر استدانة دول الجنوب، وما تتكبده سنوياً من مبالغ لتسديد فوائد القروض، وليس حتى أصل المبالغ المقترضة. وبرأي الشامي، كان من الأجدى التركيز على الإصلاح الضريبي، بدلاً من البحث عن مصادر لزيادة الضرائب والرسوم.

ما مصير الفجوة؟

أما فيما يتعلق بقانون الفجوة، فإن ما يُطرح عن تحميل الدولة مسؤولية جزء كبير من الخسائر (تُقدّر، بحسب ورقة مصرف لبنان، بنحو 25 مليار دولار، موزعة على 16.5 مليار دولار تمثل الدين القديم الناتج عن فروقات إعادة التقييم، و8.5 مليار دولار تمثل كلفة الدعم)، يتعارض مع ما يطلبه صندوق النقد لجهة تأمين استدامة الدين. فإذا ما أُضيف هذا الدين إلى ديون الدولة، وبكلفة تصل إلى 600 مليون دولار سنوياً، فإن ذلك سيقلّص قدرتها على الإيفاء بمتطلبات اليوروبوندز بعد إعادة هيكلتها، وسداد القروض المستقبلية التي قد يحصل عليها لبنان من صندوق النقد، فضلاً عن بقية القروض المستحقة للجهات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، والتي باتت تناهز 5 مليارات دولار.

إضافة إلى ما تقدّم، فإنه في الوقت الذي كان يجري فيه التداول في بانكوك بشأن إقرار القوانين الإصلاحية، كان المجلس الدستوري ينظر في الطعن المقدّم من رئيس الجمهورية بقانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها، الذي يشدّد عليه صندوق النقد الدولي. وقد انتهى المجلس إلى قبول الطعن في المادة الثالثة، وإعادة ربط القانون بقانون النقد والتسليف. وهو ما لا يتوافق مع متطلبات صندوق النقد، التي تركّز على ضمان استقلالية الهيئة المصرفية العليا، بغرفتيها الأولى والثانية، والمنوط بها النظر في أوضاع المصارف وتقييمها وتقرير مصيرها.

الإصلاح وإعادة الإعمار

ولعل أخطر المقاربات كانت ربط ما يجري الحديث عنه، وخصوصاً في القطاع المصرفي، بملف إعادة الإعمار. فربط هذه المسألة بإعادة الإعمار ليس أمراً صائباً، من وجهة نظر الشامي، ذلك أن التمويل الآتي من الخارج يقع ضمن إطار المدى الطويل، فيما كان يُفترض التوجّه نحو البحث في تسهيلات مالية وبرنامج ممتد مع صندوق النقد، تكون ذات أثر فوري.

وإن كان الشيء بالشيئ يذكر فان جزء كبير من المباحثات تركز على الأمور غير الطارئة على غرار إكمال برامج البنك الدولي المتعلقة بالرقمنة، وإنشاء شباك موحد للتصريحات ومدفوعات رقمية وغيرها من قضايا الحوكمو. فعلى الرغم من أهميتها فإن آثارها تعتبر طويلة الامد بحسب الشامي  فيما المطلوي استجابات سريعة قصيرة المدى ومباشرة.

في مقابل المشهد الضبابي الذي لم تنجح اجتماعات بانكوك في جلائه، برزت فسحة أمل مع بدء انخراط لبنان في ورش التكامل الاقتصادي الإقليمي، والبحث جدياً في القضايا المشتركة. وهو ما يمكن أن يشكّل، برأي الشامي، رافعة مالية مهمة وداعمة للبنان.