يشهد الانهيار الاقتصادي في لبنان عامه السابع، بعد أن تحوّل من أزمة طارئة إلى عنصر بنيوي ثابت في عمل الدولة ومؤسساتها وفي الحياة اليومية للمواطنين. تراجع الاهتمام بمدة هذا الانهيار بقدر ما تصاعد القلق من عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها المتكررة أمام المجتمع الدولي واللبنانيين، وسط تساؤلات متزايدة حول استقلالية القرار السياسي والاقتصادي، وحول قدرة الضغوط الدولية على فرض مسار إصلاحي حاسم، ولا سيما في ظل ترابط شروط الدعم الخارجي بالإصلاحات البنيوية وبالملفات السيادية والمالية الكبرى.
برز خلال العام المنصرم إقرار مجموعة واسعة من القوانين الإصلاحية المؤجلة منذ سنوات طويلة، شملت تعديل قانون السرية المصرفية، وإقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، وإنشاء الهيئات الناظمة لقطاعات الكهرباء والطيران المدني والاتصالات، إضافة إلى الاقتراب من إنجاز الإطار العام لقانون توزيع الخسائر المرتبط بما يُعرف بالفجوة المالية. عكست هذه الخطوات استجابة شكلية لمطالب المجتمع الدولي، إلا أنها بقيت حتى الآن محصورة في الإطار التشريعي من دون ترجمة عملية ملموسة على أرض الواقع.
أظهر الأداء الحكومي استمرار الفجوة بين التشريع والتطبيق، إذ لم تنعكس القوانين المقرّة تحسناً فعلياً في ثقة المجتمع الدولي أو في واقع المودعين والاقتصاد الحقيقي. أعاد هذا المشهد إنتاج تجربة سابقة عرفها لبنان منذ مؤتمرات باريس، حيث جرى مراراً إقرار إصلاحات تحت ضغط الانهيار، من دون تنفيذ فعلي لها، ما أفقدها جدواها وأضعف مصداقية الدولة.
فرض المجتمع الدولي في المرحلة الراهنة مقاربة أكثر تشدداً، تقوم على اشتراط الأفعال الملموسة بدل الاكتفاء بالنصوص القانونية. برز ذلك بوضوح في ملف مكافحة تبييض الأموال، حيث بقي لبنان مدرجاً على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، رغم وجود أطر تنظيمية وأجهزة مختصة. غاب التطبيق القضائي والأمني الفعلي، ولم تُسجّل إدانات أو ملاحقات أو مصادرات أصول، ما أبقى الشكوك قائمة حول جدية الدولة في تنفيذ التزاماتها.
تصاعد الجدل الداخلي حول مشروع قانون الفجوة المالية، الذي يقدَّر حجمها بنحو ثمانين إلى مئة مليار دولار. طُرحت مقاربات تقوم على تصنيف المودعين وتحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر عبر آليات تقسيط طويلة الأمد وسندات مؤجلة، ما يحوّل الودائع إلى التزامات منخفضة القيمة الفعلية، ويؤدي عملياً إلى شطب جزء كبير من حقوق المودعين. أظهرت هذه الطروحات تعارضاً واضحاً مع فلسفة صندوق النقد الدولي، التي تشدد على تحميل المصارف والدولة ومصرف لبنان المسؤولية الأساسية قبل المساس بودائع المواطنين.
بيّن تحليل هذه المقاربات أن غياب الترتيب العادل لتوزيع الخسائر، وعدم إجراء تقييم شفاف لأوضاع المصارف وأصولها، يفرغان أي خطة تعافٍ من مضمونها. كشف النقاش أيضاً عن تجاهل التحقيق في استخدام عشرات المليارات من أموال المودعين خلال السنوات الماضية، سواء عبر تسديد قروض بقيم غير حقيقية، أو من خلال سياسات الدعم، أو عبر أرباح حققتها فئات محدودة نتيجة منصات وسياسات نقدية استثنائية.
أظهر المسار الحكومي ميلاً واضحاً إلى سياسة شراء الوقت، من خلال طرح رؤى غير قابلة للتنفيذ أو غير قابلة للقبول الدولي، في ظل غياب اتفاق فعلي مع صندوق النقد الدولي. اصطدمت السرديات التي تروّج لإمكانية نهوض لبنان من دون دعم خارجي بواقع اقتصادي ومالي إقليمي ودولي معقّد، يفرض على البلاد الالتزام بمعايير صارمة لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات.
سلّط إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف الضوء على حجم الاختلال في القطاع المصرفي، الذي توسّع بشكل غير متناسب مع حجم الاقتصاد اللبناني، واستند لعقود إلى سياسات الفوائد المرتفعة والسرية المصرفية وتمويل الدولة. أدى هذا النمو غير السليم إلى نشوء قطاع مصرفي عاجز عن إعادة الرسملة الذاتية، ما يجعل تصفية عدد كبير من المصارف أمراً شبه حتمي في حال تطبيق المعايير الدولية من دون ربطها بقانون الفجوة المالية.
طالب صندوق النقد الدولي بفصل مسار إعادة هيكلة المصارف عن معالجة الخسائر، بما يسمح بقيام قطاع مصرفي سليم وقادر على امتصاص السيولة النقدية، والحد من الاقتصاد النقدي الموازي، الذي يُقدَّر حجمه بعشرات مليارات الدولارات. اعتُبر هذا الأمر ركناً أساسياً في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وفي استعادة الانتظام المالي.
اتُّخذت خلال الفترة الأخيرة بعض الإجراءات التنظيمية، شملت تشديد متطلبات معرفة العميل، وتنظيم عمل شركات تحويل الأموال، ومنع التعامل مع مؤسسات خاضعة للعقوبات، إلا أن هذه الخطوات بقيت غير كافية في ظل غياب قطاع مصرفي موثوق واستعادة الثقة العامة بالنظام المالي.
ارتبطت الإصلاحات المالية بشكل وثيق بالضغوط الدولية المتعلقة بتجفيف مصادر التمويل غير الشرعية، حيث بات واضحاً أن المجتمع الدولي يطالب بنتائج ملموسة بغض النظر عن الوسائل، على غرار ما يحصل في الملفات السيادية الأخرى. فرض هذا الواقع تحديات اجتماعية واقتصادية دقيقة، نظراً لتشابك هذه الملفات مع أوضاع شريحة واسعة من اللبنانيين.
استُخلص من مجمل هذا المسار أن الخروج من الانهيار يتطلب تبنّي سياسات نقدية ومالية مختلفة جذرياً عن تلك المعتمدة منذ التسعينيات، وفي مقدّمها وقف تمويل الدولة من مصرف لبنان، واحترام استقلاليته القانونية، والانتقال إلى نظام نقدي أكثر صرامة يضع حداً للاختلالات البنيوية المتراكمة.
أكّد التحليل أن النمو الاقتصادي الحقيقي وحده كفيل بامتصاص الفوائض في القطاع العام، ومعالجة التحديات الاجتماعية الناتجة عن الإصلاحات، شرط أن يُبنى هذا النمو على أسس شفافة وعادلة، وعلى محاسبة فعلية، وعلى توزيع منصف للمسؤوليات والخسائر.