يُعتبر قانون الفجوة المالية من الأولويات الأساسية التي كان يجب إقرارها منذ العام 2019، في لحظة اندلاع الأزمة المالية، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد. تتدخل الدول التي تعاني من أزمات مماثلة عادةً بشكل مباشر لإنقاذ المصارف وتفادي انتقال الأزمة إلى القطاع الاقتصادي الحقيقي، لكن لبنان تأخر في اتخاذ هذه الخطوة.
وضع لبنان خطة للخروج من الأزمة عام 2021 مع صندوق النقد الدولي، كانت الأولوية فيها إقرار قانون الفجوة المالية. أكد صندوق النقد الدولي ضرورة إقرار هذا القانون قبل أي إصلاح آخر، لكن التأخر في إقراره أدى إلى تأخر دعم المجتمع الدولي والقروض للبلد، ما جعل الاقتصاد معطلاً وعاجزاً عن الحصول على قروض وتمويل النمو. نتج عن ذلك انهيار اقتصادي وبطالة وفقر، حيث ضاعت ست سنوات شهد خلالها لبنان انهياراً في الناتج المحلي وصل في بعض السنوات إلى 60%، إذ انخفض من 54 مليار دولار إلى 20 مليار دولار.
تحركت الحكومة الحالية بعد سنوات من الانتظار وأظهرت شجاعة في إقرار قانون الفجوة المالية. تُعد هذه الخطوة أساسية لاستعادة حركة القروض في القطاع المصرفي، بغض النظر عن الشكل الذي سيُقر به في مجلس النواب. يسمح القانون للناس بالعودة إلى العمل والحصول على قروض، ويمكّن التجار من استئناف أنشطتهم التجارية وأعمالهم، ما يضع حجر أساس لمرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي.
توجد ملاحظات عديدة على القانون، لكن المثل يقول إن “الأفضل عدو المنيح”. ينطبق هذا المبدأ على الوضع الحالي، إذ إن انتظار قانون أفضل قد يستغرق ست سنوات أخرى. يمكن تعديل القانون الموجود حالياً بشكل تدريجي في مجلس النواب، لكن المهم هو توفر إطار لمعالجة الأزمة الحالية وإعادة البلد للعمل والسماح بحركة القروض.
يجب التصريح بوضوح أنه لا يوجد حل يسمح للناس باستعادة كامل ودائعهم، فالودائع تبلغ 85 مليار دولار. يعاني القطاع المصرفي من أزمتين: أزمة ملاءة وأزمة سيولة، وحل السيولة وحده لا يعالج مشكلة الملاءة. وضعت المصارف أموالاً في مصرف لبنان والحكومة اللبنانية، لكن القطاع العام لم يعد قادراً على ردها، ما خلق أزمة ملاءة مماثلة لما تعاني منه المصارف في أزمات عالمية مشابهة.
تطالب المصارف بـ80 مليار دولار من مصرف لبنان، لكن المطلوب ليس استرجاع هذا المبلغ كاملاً، بل الحصول على السيولة اللازمة لبدء الإقراض. لا يمكن للمصارف الإقراض دون وضع سيولة كافية، ولا يمكن توزيع السيولة على جميع الناس بكميات قليلة. يحتاج الاقتصاد والمصارف إلى ملاءة، والملاءة يجب أن تُسترجع من مصرف لبنان الذي أخذ رؤوس أموال المصارف الأساسية.
يطرح البعض فكرة استخدام احتياطي الذهب البالغ حوالي 50 مليار دولار لدفع الديون، لكن هذا الذهب ملك لكل الشعب اللباني وليس فقط للمودعين الكبار. يستحق الفقراء الذين لا يملكون أموالاً في البنوك حصتهم من هذا الذهب أيضاً. تكمن الخطورة الكبرى في المساس بقدسية الذهب، إذ قد يُستخدم بحجة الدفع للمودعين لكنه قد ينتهي في إعادة الإعمار ومشاريع وصفقات عمومية، كما حدث قبل الانهيار عندما ضاعت 70-80 مليار دولار. قد يطير الذهب البالغ 50 مليار دولار بكل سهولة، وبعد سنوات قد يجد لبنان نفسه بلا حلول مجدداً.
شهدت البلدان التي عانت من أزمات مالية مماثلة، مثل آيسلندا وقبرص، حلولاً قائمة على ضمان الودائع. ردت آيسلندا 20,000 دولار لكل مودع خارجها، وتعهدت بإعادة كامل الأموال للمودعين داخل البلد. أما قبرص فردت 100,000 يورو لكل مودع، وكل ما فوق هذا المبلغ إما شُطب أو حُول إلى أسهم في المصارف. يُعد الوضع في لبنان أسوأ بكثير، حيث يبلغ ضمان الودائع 75 مليون ليرة فقط. يأتي القانون الحالي ليحسّن الوضع للودائع الصغيرة حتى 100,000 دولار، والسندات المقترحة للودائع الكبيرة قد تحمل قيمة أفضل من الشيكات غير القابلة للصرف الصادرة حالياً عن المصارف المتعثرة، لأنها ستصدر عن مصرف لبنان.