إيران تسير على درب لبنان لضبط الاستقرار، فهل تنجح حيث فشل؟

إيران

قررت إيران التوقف عن توفير الدولار المدعوم للمستوردين بسعر 280 ألف ريال، وتخصيصه مباشرة للمواطنين. فأقرت إعطاء كل فرد نحو 10 ملايين ريال شهريًا، أي ما يعادل نحو 7 دولارات وفق سعر صرف السوق البالغ 1.5 مليون ريال للدولار، لشراء الحاجات الأساسية. وعدا عن كون هذه الخطوة أتت متأخرة جدًا، فإنها لم تنجح في كبح جماح التضخم المتزايد ولا في تهدئة الشارع. فما الذي يحصل؟

يشكّل الدعم «الوصفة السحرية» لسقوط الاقتصادات؛ إن لم يكن آجلًا، فعاجلًا. ويعود تاريخ هذه السياسة المثيرة للجدل إلى الأنظمة شبه الاشتراكية، حيث دأبت على توفير العملة الصعبة للمستوردين، تجنبًا لشرائها من السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير، وبالتالي تفادي اضطرارهم إلى رفع الأسعار على المستهلكين.
إلا أن هذه السياسة أدّت، في كل مرة جرى اعتمادها، إلى نتيجتين مدمّرتين للاقتصاد:
– الأولى، تكبّد الدول فاتورة باهظة للدعم، سرعان ما تنعكس عجزًا في موازناتها، ما يضطرها إلى زيادة الضرائب والرسوم، فتكون بذلك تأخذ بيمين الضرائب والرسوم ما تعطيه بيسار الدعم.
– الثانية، احتكار المستوردين للسلع والتلاعب بأسعارها، عبر بيعها في السوق السوداء بأسعار أعلى بما لا يُقاس لتحقيق الأرباح، ما يحمّل المستهلكين فاتورة باهظة ويُهوي بالقدرة الشرائية للمداخيل المحدودة أساسًا.

إجراءات نقدية اعطت نتيجة عكسية
وفي هذا المقطع، يتجلّى ما حصل في إيران، حفرًا وتنزيلًا. ففي الوقت الذي كانت فيه إيران توفّر الدولار للمستوردين على سعر صرف 280 ألف ريال، بكلفة سنوية تصل إلى 10 مليارات دولار، بحسب تصريح رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، كان الريال «يحلق» في الأسواق عند مستوى 950 ألف ريال للدولار.
وبدلًا من العودة إلى أساسيات السوق في التعامل مع الأزمات النقدية، لجأت إيران إلى مجموعة من الحلول التي غالبًا ما تعطي نتائج عكسية، وقد خبرناها في لبنان خلال سنوات الانهيار بشكل فاقع الوضوح.
– عمدت إيران في آذار 2025 إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 45 في المئة، من 57.4 مليون ريال إلى 104.4 ملايين ريال. وهذه الزيادة، التي تقارب 46 مليون ريال على كل راتب، سرعان ما انعكست طلبًا متزايدًا على الدولار، إما للادخار وإما لشراء النواقص من السلع والحاجات التي تُباع بأسعار السوق الحر غير المدعوم، نتيجة الاحتكار. وهو ما فعله لبنان أيضًا، من خلال مضاعفة رواتب الموظفين 13 مرة ورفع الحد الأدنى للأجور، في وقت لا يحقق فيه البلد أي نمو يُذكر.
– وفي أواخر العام الماضي، لجأت إيران، تحت ضغط فاتورة الدعم الباهظة وازدياد تحذيرات الاقتصاديين من موجة تضخم انكماشي، إلى ترشيد دعم البنزين. وبعبارة أخرى، أبقت الدعم ولكن بصيغة تفضيلية، فقرّرت تحديد سعر أعلى لليتر البنزين يبلغ 50 ألف ريال إيراني (نحو 4 سنتات وفق سعر السوق الحرة آنذاك) لكمية الاستهلاك التي تتجاوز 160 لترًا شهريًا، وأبقت السعر للشريحة التي لا يتجاوز استهلاكها 60 لترًا عند 15 ألف ريال لليتر الواحد.
ومن البديهي أن مثل هذا الإجراء فتح الباب أمام شتى أنواع الاحتيال لتعبئة الوقود بأسعار أقل، وانعكس مزيدًا من فقدان المادة من الأسواق، فضلًا عن زيادة الضغط على المداخيل المحدودة. وتُذكّرنا هذه السياسة بفترات ترشيد الدعم على المحروقات في لبنان، ومنح الأفضلية لبعض الشرائح، كالسائقين العموميين، على حساب غيرهم، الأمر الذي فاقم الأزمة بدلًا من حلّها.
وقد ترافقت هذه الإجراءات مع تفعيل الدول الأجنبية، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، آلية الزناد، نتيجة إخلال إيران بتعهداتها في بنود الاتفاق النووي لعام 2015. فأخذت قيمة الريال بالهبوط أكثر، مع ارتفاع المخاوف من العقوبات وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، حتى وصلت قيمته مع نهاية العام الماضي إلى نحو 1.5 مليون ريال مقابل الدولار.
وهو ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية من حدود 110 دولارات في منتصف العام إلى أقل من 70 دولارًا في نهايته، وزاد الضغط بشكل هائل على أسعار السلع والخدمات.

تكرار المكرر

إزاء هذا الواقع، انتقلت إيران من دعم التجار والمستوردين، من خلال توفير الدولار بأسعار تفضيلية، إلى الدعم المباشر للمواطنين، عبر بطاقات دعم بقيمة تقارب 7 دولارات للفرد الواحد شهريًا لشراء الحاجات الغذائية الأساسية، من دون المحروقات.
بدلًا من معالجة الأزمة بخيارات عملية، أبقت الحكومة على الدعم، لكن بشكل مختلف. ففور توقف الدعم للتجار، انقطعت البضائع من الأسواق، وأصبحت أسعارها تتحدد وفق الحاجة لها مقارنةً بتوفرها.
كما أدى هذا الإجراء إلى زيادة الكتلة النقدية (M1) في السوق، ما دفع إلى المزيد من الطلب على العملة الصعبة. وبهذه الطريقة، أصبحت الأسعار تتغير لحظة بلحظة، مما يعجز التجار عن التسعير خوفًا من تكبد الخسائر، فانطلقت البضائع من السوق التجاري والبازار الكبير بسرعة وبفوضوية.

شطب الأصفار
إجراءات المصرف المركزي الإيراني الأخيرة سبقت تنفيذ شطب أربعة أصفار من الريال، وتحويله إلى تومان، بهدف تبسيط المعاملات. وكان من المقرر رفع سعر الصرف اصطناعيًا إلى 10 آلاف تومان مقابل الدولار، الأمر الذي يوحّد الاستخدام الرسمي مع الممارسة غير الرسمية الشائعة بين الإيرانيين، الذين تخلّوا منذ فترة طويلة عن الريال في معاملاتهم اليومية.
لم يفت الايرانيون شيئاً ايجابياً بعدم الانتقال إلى سعر الصرف الجديد. “هذا الإجراء دائمًا ما أثبت فشله في البلدان التي عانت من انهيارات كبيرة، مثل فنزويلا والأرجنتين وزيمبابوي وغيرها الكثير”، برأي البروفسورة في كلية العلوم الاقتصادية في جامعة القديس يوسف، سهام رزق الله، “المشكلة تتعلق بالنظام الاقتصادي الذي ينعكس كالمرآة في سعر صرف العملة”. فهذا الإجراء لا يؤثر على الكتلة النقدية، ولا على كمية تدفق العملة الصعبة إلى الاقتصاد، ولا على التضخم أو على الحساب الجاري وميزان المدفوعات. وعليه، يبقى شكليًا أو حتى نفسيًا، ولا يغير شيئًا في الواقع.”

العلاج النقدي يجب ان يكون جراحيا
“العلاج لا ينحصر بالتدابير النقدية”، تشدد رزق الله، “إنما يشمل الخيارات الاستراتيجية، وبثقة الناس، وخيارات النظام المصرفي ككل، وتوقعات المسار الاقتصادي للمستقبل، ومسار علاقات البلد الخارجية، وحجم الاحتياطيات في المصرف المركزي وكيفية استخدامها.”

ما وصفته إيران بأنه إجراء إصلاحي ليس إلا ما اعتمده لبنان وسبّب تفاقم الانهيار؛ بدءًا من الدعم وترشيده تدريجيًا، مرورًا بتحويل دولارات التحويلات وإعطائها على السعر الرسمي، وإنشاء منصة صيرفة، والدعم المباشر عبر البرامج والمساعدات، وصولًا إلى التدخل النقدي عبر طباعة فئات أعلى من العملة، والتفكير في شطب أصفار منها وتغيير اسمها.
ولم يشهد لبنان أي تغيير جدي على الصعيد الماكرو اقتصادي إلا عند “الانتقال من الإجراءات التقنية إلى الخيارات الاستراتيجية الجدية”، بحسب رزق الله، “مثل وقف تمويل الدولة، وقف طباعة الليرات

لتمويل العجز، أو زيادة الرواتب لموظفي القطاع العام، ووقف استخدام الاحتياطيات بالعملات الأجنبية”. ويشبه هذا إلى حدّ كبير سياسة تثبيت سعر الصرف (Currency Board). فتم قطع الشريان الذي يغذي السوق السوداء، الأمر الذي وفر الأرضية الصلبة للانتقال إلى حلول اقتصادية كبيرة، وفقًا لرزق الله، في حال اعتماد إصلاح جذري ونظام سعر صرف حقيقي ومستدام.

يقال في الأمثال الشعبية اللبنانية: “من جرب المجرب كان عقله مخرب”. تكرار تجارب الدول في إصلاح الاقتصاد بالاعتماد على الإجراءات النقدية المشوهة يفاقم الأزمات. وإن كان التدخل النقدي ضروريًا، فلا بد أن يكون جراحيًا، من خلال اعتماد صندوق تثبيت القطع أو الدولرة الشاملة، فحين تموت العملات، لا يمكن إعادتها إلى الحياة.