استطاع لبنان خلال العقد المنصرم تحقيق نقلة نوعية على صعيد الاستكشافات النفطية. فانجز مراسيم التنقيب. وتعقاد مع تحالف شركات الاستكشاف والإنتاج بقيادة «توتال». وأنشأ الصندوق السيادي للنفط والغاز. ورسّم حدوده البحرية مع كل من اسرائيل وقبرص. وحفر بئرين في الحقلين 4 و9. إلا أن هذه الجهود النوعية لم تسفر عن نتائج كمية.. لغاية الآن. ولعل أحد أهم الأسباب: تباطوء عمليات الاستكشاف، وتحليل النتائج، وإصدارها، وتسريع عمليات التلزيم.
يملك لبنان منطقة اقتصادية خالصة (EEZ) في البحر الأبيض المتوسط، مقسّمة إلى عشر رقع بحرية مخصّصة للتنقيب عن النفط والغاز، بمساحة إجمالية تُقدَّر بنحو 21,500 كيلومتر مربع تقريباً، أي ما يعادل ضعفي مساحة اليابسة اللبنانية. وعلى الرغم من اتساع هذه المنطقة وملاصقتها لحقول غاز غنية، مثل «ليفياثان» و«أفروديت»، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات جدّية على تحقّق ثورة هيدروكربونية في المياه اللبنانية.
حلّ المسائل القانونية مع الجيران
وقّع لبنان اتفاقية ترسيم حدود مبدئية مع قبرص عام 2007، قبل أن يؤكّدها في الاتفاق النهائي لترسيم الحدود البحرية في 26 تشرين الأول 2025، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من التأجيل. كما وقّع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل برعاية أميركية في عام 2022. ولم يتبقَّ بعد سوى ترسيم الحدود البحرية الشمالية مع سوريا.
تأخّر انطلاق عمليات التنقيب
بدأت عملية التنقيب الجدية عن النفط والغاز في لبنان متأخرة. ففي عام 2017، اتخذ لبنان قراره بعد تأخير دام أربع سنوات، بانتظار صدور المرسومين التطبيقيين الأساسيين الرقم 42 و43، المتعلّقين برسم الحدود البحرية ونموذج العقد (Model Contract) وآلية المناقصات (Tender Protocol).
في تلك السنة، فتح لبنان جولة التراخيص الأولى لاستكشاف النفط والغاز في الرقعتين البحريتين 4 و9، وفاز بها تحالف الشركات الدولية: «توتال الفرنسية ، إيني الإيطالية، ونوفاتيك الروسية«. وجرى توقيع اتفاقيتي استكشاف وإنتاج (EPA) لتطوير البلوكين 4 و9 في المياه الاقتصادية اللبنانية. وفي أيلول 2022، انسحبت شركة «نوفاتيك» من التحالف، وحلّت مكانها «قطر للطاقة» في كانون الثاني 2023.
نتائج التنقيب: دون اكتشافات تجارية
انتهت أعمال التنقيب في البلوك رقم 4 عام 2020 من دون تسجيل أي اكتشاف تجاري. أما في البلوك رقم 9، فقد انتهت عمليات الحفر في تشرين الأول 2023 من دون العثور على كميات تجارية من الغاز، ولم تُعلَن النتائج الرسمية إلا في نهاية أيار 2025.
مؤخراً، وافق مجلس الوزراء على تفويض وزير الطاقة توقيع اتفاقية استكشاف في البلوك رقم 8 لإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد، علماً أن هذا البلوك لم يخضع سابقاً لأي مسح، خلافاً لبقية الرقع. وقد مُنحت شركة «توتال» مهلة سنتين لإجراء هذه المسوحات.
وتشير عضو المبادرة اللبنانية للنفط والغاز (LOGI) والخبيرة في حوكمة الطاقة، ديانا قيسي، إلى أن «الفترة الفعلية للمسوحات لا تتطلب أكثر من ستة أشهر، وبعدها تتخذ الشركة قرارها بشأن بدء التنقيب خلال مهلة ثلاث سنوات».
أما البلوك رقم 9، فكان من المفترض أن يعود إلى الدولة اللبنانية بعد أيار 2025 لينضم إلى بقية الرقع المعروضة للتلزيم، إلا أن الغموض لا يزال يلفّ مسألة تمديد المهلة.
هيئة إدارة قطاع البترول والصندوق السيادي
في عام 2012، صدر مرسوم إنشاء هيئة إدارة قطاع البترول بوصفها الهيئة الناظمة للقطاع. غير أن ولايتها انتهت عام 2018 بعد تجديدها مرة واحدة، ولم يُعيَّن مجلس جديد حتى اليوم، رغم استقالة عدد من أعضائها.
كذلك، أقرّ لبنان قانون إنشاء الصندوق السيادي للنفط والغاز (القانون رقم 320، بتاريخ 22 كانون الأول 2023)، إلا أنه لم يُفعَّل بالكامل بعد. وتطرح قيسي تساؤلات حول “مصير مبلغ 45 مليون دولار ناتج عن بيع المسوحات الزلزالية وغيرها من البيوعات، وما إذا كانت هذه الأموال قد دخلت فعلياً إلى الصندوق، علماً أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 120 مليون دولار”.
جولات التراخيص
منذ عام 2017، أطلق لبنان ثلاث جولات تراخيص لاستكشاف النفط والغاز، إلا أن وتيرتها بقيت بطيئة نتيجة عراقيل سياسية وتقنية. فقد استغرقت الجولة الأولى نحو أربع سنوات، فيما امتدت الجولتان الثانية والثالثة بين ستة أشهر وسنة على الأقل، مستفيدتين من قوانين تمديد المهل. وأُغلقت آخر جولة تراخيص في تشرين الأول 2028 على البلوك رقم 8.
من الناحية الاقتصادية، يُعدّ استكشاف النفط والغاز في لبنان مجدياً بالنسبة إلى عدد من الشركات العالمية، ولا سيما الأميركية منها، مثل «شل» و«شيفرون» و«إكسون موبيل»، نظراً إلى وجودها أساساً في المنطقة وقرب الحقول اللبنانية من حقول منتجة في قبرص وحقل «ليفياثان».
الوضع الحالي في عام 2026
في عام 2026، منح لبنان حقوق استكشاف جديدة في البلوك رقم 8 لشركة «توتال إنرجيز» وشركائها، مع التخطيط لإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد لتقييم الإمكانات تحت قاع البحر. وحتى الآن، لم تُسجَّل أي اكتشافات تجارية كبيرة، فيما لا تزال الجهود قائمة لتحديد موارد قابلة للإنتاج التجاري.
شرق المتوسط: مهد الاكتشافات الكبرى
شهد العقد الأول من الألفية الثانية سلسلة اكتشافات غازية كبرى في شرق البحر المتوسط، أبرزها:
حقلا «تمار» و«ليفياثان» في المياه الإقليمية الإسرائيلية بين عامي 2009 و2010.
حقل «أفروديت» في المياه الإقليمية القبرصية عام 2011.
حقل «ظُهر» في المياه الإقليمية المصرية عام 2015.
وتُعدّ هذه الحقول من الأكبر عالمياً في إنتاج الغاز، إذ يتجاوز إنتاجها السنوي 8,000 مليار قدم مكعب، فيما تُقدَّر الاحتياطيات غير المكتشفة في شرق المتوسط بنحو 300,000 مليار قدم مكعب، وفق تقديرات جيولوجية دولية.
منتدى غاز شرق المتوسط
إزاء هذا الواقع المتطور، تأسس «منتدى غاز شرق المتوسط» في أيلول 2020، واتخذ من القاهرة مقراً دائماً له. ويهدف المنتدى إلى تنسيق السياسات الغازية بين الدول الأعضاء، وضمان الاستخدام المستدام والفعّال للموارد، وتعزيز التكامل الإقليمي في مجال الطاقة عبر شبكات الأنابيب والمشاريع المشتركة. كما يسعى إلى تسهيل تصدير الغاز إلى الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتبادل الخبرات والتقنيات في مجالات الاستكشاف والإنتاج والتوزيع. ويضم المنتدى كلاً من مصر، واليونان، وقبرص، والأردن، وفلسطين، وإسرائيل، فيما تشارك إيطاليا بصفة مراقب رئيسي، والمنتدى مفتوح أمام انضمام أعضاء جدد.
