في بلدٍ يرزح تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق ومستمر منذ سنوات وحروب لا تتوقف، تأتي موازنة لبنان لعام 2026 في لحظة مفصلية، محمّلة بأسئلة أكثر مما تحمل من أجوبة. بين وعود بالإصلاح وضغوط داخلية وخارجية متزايدة، تحاول حكومة نواف سلام رسم ملامح إنفاق عام في دولة شبه مفلسة، تعاني مؤسساتها من الشلل، ويكافح مواطنوها لتأمين أبسط مقومات العيش. فماذا نعرف عن مشروع موازنة 2026، أبرز أرقامها، وما تعكسه فعلياً من خيارات سياسية واقتصادية في بلد لا يزال يبحث عن طريقه للخروج من أزمته العميقة اقتصادياً وأمنياً؟
يقول الخبير الاقتصادي باتريك مارديني في مقابلة صوتية مع “اندبندنت عربية” إن الموازنة الحالية هي متوازنة، وهذه إحدى أبرز إيجابياتها، إذ تبلغ النفقات نحو 5 مليارات و975 مليون دولار، وهو المبلغ نفسه الذي تقدَّر به الإيرادات، ما يعني عدم وجود عجز، وبالتالي، لا حاجة للبحث عن مصادر تمويل، بخلاف ما كان يحصل سابقاً، وهو تطور إيجابي.
وتابع “الإيجابية الثانية تتمثل في إقرار الموازنة ضمن مهلها واحترام المواعيد الدستورية، وهو نهج جديد نسبياً في لبنان بعد سنوات طويلة من تجاوز هذه المهل. أما الإيجابية الثالثة، فهي تسجيل زيادة في الإيرادات بقيمة تقارب مليار دولار مقارنة بالسنة الماضية، إذ ارتفعت من نحو 4.9 مليار دولار إلى نحو 5.9 مليار دولار. وتتحقق هذه الزيادة من دون فرض ضرائب جديدة، بل من خلال تحسين الامتثال الضريبي. وعلى رغم غياب أي زيادات ضريبية، فإن الإيرادات ارتفعت بنحو مليار دولار، وهو مؤشر مهم. أما الإيجابية الأخيرة، فتتعلق بسلف الخزينة، ولا سيما سلف الكهرباء، إذ لا يتضمن مشروع الموازنة دعماً لقطاع الكهرباء هذا العام”.
أما لناحية سلبيات هذه الموازنة، يرى مارديني أن الحديث عن موازنة متوازنة يعني عملياً أنها من دون فائض، وعلى رغم تسجيل زيادة في الإيرادات بنحو مليار دولار، فإن هذه الزيادة تُمتصّ بسرعة من خلال النفقات الجارية. وكان من الأفضل أن يُخصص جزء من هذه الزيادة لتحقيق فائض في الموازنة العامة.
من جهة أخرى، لا تلحظ الموازنة خدمة الدين العام، في ظل تخلف لبنان عن سداد سندات اليوروبوند وعدم الشروع بعد في إعادة هيكلة الدين العام، مضيفاً أنه حتى في النسخة التي أرسلتها الحكومة إلى مجلس النواب، كان هناك احتياطي موازني بقيمة 329 مليون دولار، يُفترض أن يُستخدم للحالات الطارئة، غير أن ذلك لم يحصل، إذ أُحيل المشروع إلى مجلس النواب، فجرى إلغاء هذا الاحتياطي بالكامل. وتم توزيع المبلغ على بنود مختلفة، منها صناديق وهيئات، وزيادات في الرواتب والأجور، وحصة وازنة ذهبت إلى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة ووزارة الصحة، إضافة إلى تمويل مشاريع ونفقات أخرى، وبهذا، لم يُترك أي فائض في الموازنة.
يرى الخبير الاقتصادي أن المشكلة الأكبر في هذه الموازنة تكمن في غياب أي مقاربة لإعادة هيكلة القطاع العام. وإذا أردنا تلخيص جوهر الأزمة، فهي أن القطاع العام، أي موظفي الدولة، يستحوذ على الجزء الأكبر من الإيرادات العامة، فيما جزء كبير من هؤلاء الموظفين غير منتج، وتقدر نسبتهم بنحو 50 في المئة من موظفي القطاع العام، دخلوا إلى الإدارة على أساس المحسوبيات والاعتبارات الطائفية والتنفيعات السياسية، من دون أن يكونوا منتجين.
وختم “هؤلاء، وفق منطق الإصلاح، هم من يفترض الاستغناء عنهم، إلا أن هذا الأمر لا يحصل. والمفارقة أن الحكومة اللبنانية أقدمت في السنوات الأخيرة على إصلاحات مالية صعبة وغير شعبية، كما في قانون معالجة الفجوة المالية، وإعادة هيكلة المصارف، ورفع السرية المصرفية، وهي قوانين واجهت اعتراضات واسعة وتكلفة سياسية عالية، وبالتالي لماذا لم تتخذ قراراً مماثلاً في ملف لا يقل أهمية، وهو إعادة هيكلة القطاع العام؟”.