تملأ الخطط لحل أزمة السير في لبنان مجلدات. فالزحمة التي تشهدها مداخل بيروت الشمالية والجنوبية والشرقية، على مدار ساعات الليل والنهار، ليست مزعجة فحسب، إنما مكلفة اقتصاديًا. إلا أن معظم الحلول القابلة للتطبيق، على غرار استحداث طرقات جديدة، سواء كانت برية أو بحرية، وحفر أنفاق تحت الطرق الرئيسية، تواجه تحديات تتعلق بتمويل المشاريع وتنفيذها، مما يؤخر الحلول الجذرية.
كغيره من الحلول لمشاكل البنى التحتية الكثيرة في لبنان، يعتمد تأهيل الطرقات وبناء الجسور والأنفاق والأوتوسترادات على المال العام. فترصد له في الموازنات، وتحديدًا تلك الموضوعة قبل الانهيار، مخصّصات من ضمن ما يُعرف بمشاريع البرامج أو النفقات الاستثمارية. وبغضّ النظر عن أن هذه المخططات لا تُنفَّذ، ويجري ترحيلها من عام إلى آخر لعدم كفاية الأموال، فإن مشكلتها ليست محاسبية بقدر ما هي مبدئية.
مخاطر الإنفاق العام على المشاريع
كما جرت العادة، وفي عددٍ لا يُحصى من مشاريع تطوير البنى التحتية، تُؤمَّن الأموال من الاقتراض، وتُوكَل مهام التنفيذ إلى المجالس والصناديق المحلية، على غرار مجلس الإنماء والإعمار، ومجلس الجنوب، وصندوق المهجّرين، والهيئة العليا للإغاثة وغيرها. فيتكبّد الاقتصاد بشكل عام، والمواطن بشكل خاص، فاتورة «متربلة»، أي مضروبة بثلاثة أضعاف، فللقروض فوائد مرتفعة وكلفة عالية، سرعان ما تنعكس زيادةً في الضرائب والرسوم لتأمين تمويلها، ويشوب التنفيذ الكثير من الهدر الفني وغير الفني، ما يرفع كلفة التنفيذ ويتطلّب المزيد من التمويل، وفي حال عدم توفّره تتوقّف المشاريع، وتخرج الخدمات بجودة متدنية، وأحيانًا كثيرة لا تعمل، كمحطات تكرير المياه الآسنة، فتستمر المشكلة من دون حل.
هذا النموذج في بناء المشاريع وإدارتها لم يكن صحيحًا قبل الانهيار، ولم يعد يصحّ بعده؛ ليس لأن الموازنة تقلّصت بنحو 60 في المئة فقط، بل لأنه سيعيد تكرار الفشل، وهو يُعدّ غير عادل، وينقل الكلفة إلى كل المواطنين. ويكمن الحل في الانتقال من اقتطاع التمويل من المكلّف بالرسوم والضرائب، إلى مبدأ «المستخدم يدفع». فتلزيم هذه المشاريع إلى القطاع الخاص عبر العديد من الأليات كـ BOT أو BOO.. وغيرها، مقابل رسوم، يؤمّن الخدمة ويوفّر الكلفة بما لا يُقاس، ولا سيما في ما يخصّ بناء الطرقات والجسور الرديفة للطرقات الرئيسية.
نموذج جسر الملك فهد
هذا النموذج أصبح معتمدًا حتى في أغنى دول العالم، ففي السعودية، على سبيل الذكر لا الحصر، تُفرض رسوم عبور على جسر الملك فهد الذي يربطها بالبحرين بطول 25 كلم. وقد تضمنت رسوم العبور الجديدة للسيارات والدراجات النارية نحو 9.3 دولارات (35 ريالًا)، ورسوم الحافلات الصغيرة 14.6 دولارًا (55 ريالًا)، والحافلات الكبيرة 18.6 دولارًا (70 ريالًا)، فيما يُحتسب عبور الشاحنات بواقع 1.8 دولار (7 ريالات) للطن الواحد.
وأكدت المؤسسة العامة لجسر الملك فهد الدولي استمرار العمل بالرسوم الحالية دون تغيير لفئات ذوي الإعاقة، والطلبة، والمسافرين الدائمين (اليوميين)، حرصًا على دعم الفئات المستحقة وتسهيل تنقّلاتهم. وأرفقت الخدمة مع تطبيق يسمح بالاستفادة من الخدمات الرقمية وتسهيل إجراءات العبور. مشيرةً إلى أن هذا التحديث يأتي ضمن جهودها لتطوير البنية التحتية وتحسين جودة الخدمة على الجسر الذي يُعدّ شريانًا حيويًا بين البلدين.
المستخدم يدفع
في لبنان، وبدلًا من إنشاء المزيد من المؤسسات العامة التي أثبتت فشلها، بالإمكان تلزيم إنشاء شبكة طرقات جديدة، وأوتوستراد بري أو بحري أو تاكسي بحري من مدخل بيروت الشمالي مرورًا بوسطها وصولًا إلى جنوبها للقطاع الخاص، على أن تُغطّى الكلفة من رسوم العبور على مدى عدد من السنوات.
ويُترك للعابرين حرية اختيار الطريق السريع من دون زحمة سير مقابل بدل مادي، أو المرور بالطرقات القديمة مع دفع كلفة مضاعفة أو حتى أكثر. فمهما كانت رسوم العبور، ستبقى أقل بكثير من كلفة زحمة السير، إذ تشير تقديرات مبنية على محاكاة للساعات التي يمضيها العابرون يوميًا في زحمة السير، مقارنة مع الوقت الضائع، إلى أن الكلفة الإجمالية لزحمة السير في لبنان تتجاوز 3 مليارات دولار. وتأتي هذه الكلفة بشكل أساسي نتيجة انخفاض الإنتاجية. في حين تتضاعف الخسائر عند احتساب الوقود والصيانة والتأثيرات الصحية، واستمرار انبعاث الغازات من السيارات لساعات طويلة.
خلافًا لما يُسوَّق له من أن «البلد لم يعد يحتمل رسوماً إضافية» وأن «اللي فينا مكفّينا»، تُظهر الوقائع أن كلفة الرسم تبقى أقل بكثير من الكلفة الخفية التي يدفعها المواطن والاقتصاد يوميًا نتيجة زحمة السير. فالإبقاء على الأوتوسترادات الحالية ليس خيارًا تقنيًا أو اجتماعيًا بقدر ما هو منفعة سياسية تحمي شبكات الزبائنية الانتخابية، عبر تجنّب أي قرار قد يُفسَّر على أنه مسّ بـ«رزق الناس». إلا أن هذا الخيار، وإن كان شعبويًا، يفرض كلفة باهظة على الاقتصاد الوطني من حيث الوقت الضائع، وانخفاض الإنتاجية، واستنزاف الموارد، ما يجعل عدم اتخاذ القرار أكثر كلفة بكثير من اتخاذه.
