«لا نلحق أن نفكّ المئة دولار حتى نراها تتبخّر»، هذا هو لسان حال كلّ المواطنين، وشكواهم الدائمة من ارتفاع الأسعار. فكلّ يوم هناك سعر جديد يطال مختلف السلع والمواد الغذائية. والزيادات العشوائية على البضائع والخدمات المُنتَجة والمقدَّمة محليًا تفوق بأضعافٍ مضاعفة تلك المستوردة؛ ما يقوّض «النظرية الرسمية» القائلة بأنّ الاعتماد على الاستيراد من الخارج لمعظم حاجاتنا هو أحد الأسباب الأساسية وراء ارتفاع الأسعار.
أسعار السلة الغذائية الأساسية.. ترتفع
يُظهر التقرير الأسبوعي لأسعار السلّة الغذائية الصادر عن وزارة الاقتصاد والتجارة (المكتب الفني لسياسة الأسعار)، في نقاط البيع في مختلف المناطق اللبنانية، أنّ الأسعار ارتفعت بنسبة 11 في المئة بين كانون الثاني 2025 وكانون الثاني 2026. إلا أنّ المفارقة تكمن في أنّ الارتفاعات الكبيرة طالت السلع المنتَجة محليًا، كالخضار والفواكه، التي ارتفعت بنسبة 30 في المئة. في المقابل، لم تتجاوز نسبة الارتفاع في اللحوم ومشتقاتها، المستوردة في الغالب، 3 في المئة. كذلك الأمر في ما يتعلّق بالمعلّبات التي ارتفعت بنسبة 6 في المئة، وبعض المواد المتفرّقة مثل الكاتشاب والسكر والملح، التي حافظت على ارتفاعات أقل من 6 في المئة.

المصدر: وزارة الاقتصاد
التضخم 14.8%
إذا أُضيفت إلى السلّة الغذائية الأساسية بقيّة البنود التي يتكوّن منها مؤشر أسعار المستهلك، لارتفع معدّل التضخّم خلال عام 2025 إلى 14.8 في المئة، بحسب أرقام الإحصاء المركزي. فبعض البنود في «المؤشر» ما زالت تسجّل ارتفاعات كبيرة، ومنها التعليم بنسبة 32 في المئة، والإيجار السكني بنسبة 28 في المئة، والطعام والمشروبات غير الكحولية بنسبة 23 في المئة. ويعزو التحليل هذه الارتفاعات إلى عمليات التصحيح التي تشهدها القطاعات بعد سنوات من تراجع المداخيل، نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، ومحاولتها العودة إلى ما كانت عليه قبل عام 2019، بهدف ضمان توفير المستوى نفسه من جودة الخدمات، وتحسين الرواتب والأجور.
يعزو وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، عامر البساط، الارتفاعات المستمرة في الأسعار إلى ثلاثة عوامل أساسية، تتلخّص في: الانكشاف الكبير للبنان على الخارج، وتأثّره بارتفاع الأسعار عالميًا؛ وارتفاع أكلاف الإنتاج الداخلية، ولا سيّما في ما يتعلّق بالكهرباء والاتصالات والنقل؛ وأخيرًا، ضعف التنافسية، ما يسمح لبعض التجّار بالتلاعب بالأسعار.
إلا أنّه، خلافًا للمنطق الذي يفترض أنّ «تشخيص المشكلة يمثّل نصف العلاج»، يتفاقم ارتفاع الأسعار عامًا بعد آخر. وتتوالد الأزمة فصولًا من الفقر والعوز وانهيار القدرة الشرائية للمداخيل، نتيجة عدم ملاقاة هذا التشخيص بالنصف الآخر المتمثّل باتّخاذ الإجراءات التصحيحية والالتزام بالحلول المنطقية.
فالتشخيص الدقيق، على أهميّته، يبقى قاصرًا عن معالجة مشكلة الأسعار في لبنان، إذ لا يُستتبَع بمعالجة مكامن الخلل فحسب، بل باتّخاذ إجراءات معاكسة أو مضادّة. فبدلًا من معالجة جوهر المشكلة المتمثّل في تعمّق احتكار القطاعين العام والخاص، تلجأ الدولة إلى زيادة الأجور، ما يرفع الطلب على سلع هي، في الأساس، محتكرة، فترتفع أسعارها، ويستمرّ الدوران في الحلقة المفرغة.
ما الحل؟
انطلاقًا من هذا الواقع، لا يمكن معالجة ارتفاع الأسعار بالإجراءات الشكلية المتمثّلة بزيادة أعداد المفتّشين في وزارة الاقتصاد وتسطير محاضر ضبط، بغضّ النظر عن أهميّتها، بل بمعالجة جوهر المشكلة المتمثّل بالاحتكار.
خلافًا لما يعتقده كثيرون، فإنّ كلّ المطلوب هو تطبيق القوانين.
ففي ما يتعلّق بالقطاع العام، ينصّ القانونان 462 و431 الصادران عام 2002 صراحةً على فتح قطاعَي الكهرباء والاتصالات أمام المنافسة، والسماح للقطاع الخاص بتقديم هذه الخدمات، وقد أُنشئت لهذه الغاية الهيئات الناظمة التي أبصرت النور أخيرًا.
أمّا في ما يخصّ احتكار قطاع النقل الجوي، فإنّ الحصريّة التي تتمتّع بها شركة «طيران الشرق الأوسط» (MEA) تنتهي بعد أسابيع قليلة، إثر تمديدٍ دام لأكثر من نصف قرن. وعلى مجلس الوزراء اتّخاذ القرار الشجاع بوقف هذا التمديد، والسماح بدخول شركات طيران جديدة من شأنها تعزيز المنافسة والمساهمة في خفض أسعار السفر من وإلى لبنان. فقد أدّى تحكّم «الميدل إيست» بالأجواء اللبنانية، واتفاقاتها الثنائية مع شركات الطيران العالمية، إلى رفع كلفة السفر من وإلى لبنان بنسبة لا تقلّ عن 30 في المئة، مقارنةً بالوجهات نفسها من دول أخرى، فضلًا عن تفويت مداخيل كبيرة على الاقتصاد الوطني.
وينسحب الأمر نفسه على ضرورة خروج القطاع العام، عبر مصرف لبنان، من إدارة كازينو لبنان، وفتح هذا القطاع أمام الاستثمار، بدل الإبقاء على مرفقٍ واحد لا له مثيل في الشرق الاوسط ومعظم العالم العربي.
القطاع الخاص
أمّا في ما يتعلّق بالقطاع الخاص، فهناك ثلاثة إجراءات يجب اتّخاذها على وجه السرعة.
الأوّل، تعديل قانون المنافسة رقم 281 الصادر عام 2022، والبدء بتطبيقه فعليًا بعد تشكيل مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للمنافسة. إذ يتوجّب على وزير الاقتصاد دعوة كلّ من مجلس القضاء الأعلى، ونقابة المحامين، وغرفة التجارة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى تسمية ممثّليهم في مجلس المنافسة، على أن يصل عدد الأعضاء إلى سبعة.
يلي ذلك تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة، التي تقع على عاتقها مسؤولية تقديم الاستشارات في ما يخصّ تحديد أسعار السلع، ومتابعة المخالفات، وفرض الغرامات المالية، وإتاحة المجال أمام دخول منافسين جدد إلى السوق.
ومن المهمّ جدًّا إقرار بعض التعديلات على القانون، بالتوازي مع وضع مراسيمه التطبيقية، ومنها، على سبيل الذكر لا الحصر:
– تعديل المادة الخامسة، التي تنصّ على إمكانيّة استمرار العمل ببعض الوكالات الحصريّة لمدّة ثلاث سنوات.
– تعديل المادة التاسعة، التي تحدّد حصّة الشخص المهيمن بـ35 في المئة، مقارنةً بـ15 في المئة في معظم الدول الأخرى، وهي نسبة مرتفعة جدًّا تسمح فعليًا لشخصين فقط باحتكار السوق.
الثاني، إقرار قانون حماية المستهلك بصيغته المحدَّثة عن القانون رقم 659 العائد لعام 2005. فهذه التعديلات ما زالت عالقة في المجلس النيابي منذ سنوات، وقد أُشبعت درسًا وتمحيصًا عبر عشرات الجلسات التي عقدتها لجنة الاقتصاد والتجارة. ويُفترض، عند إقرار القانون، تفعيل دور «المجلس الوطني لحماية المستهلك» ذي الطابع الاستشاري، والذي يتألّف من المديرين العامّين للوزارات المعنيّة، إضافةً إلى ممثّلين عن الهيئات الاقتصادية وجمعيّات المستهلك. كما يتوجّب على موظّفي مديرية حماية المستهلك مراقبة تطبيق أحكام القانون، وإنزال العقوبات بالمخالفين، وفقًا للتعديلات الجديدة.
الثالث، توجيه تحويلات المغتربين نحو القطاعات الإنتاجية بدل إنفاقها على الاستهلاك. ولا يتحقّق ذلك إلّا بوجود قطاع مصرفي قوي وسليم من جهة، وباستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني من جهة ثانية. ذلك أنّ استمرار تدفّق التحويلات بكميّات كبيرة يحقّق نموًّا اقتصاديًا، لكنّه نموّ مشوَّه، ويثير الخشية من تكرار تجربة «المرض الهولندي». فالتدفّقات المالية تغذّي الطلب الاستهلاكي والريعي، فترتفع الأسعار، وبالتالي ترتفع كلفة الإنتاج، ما يجعل القطاعات الإنتاجية المولِّدة لفرص العمل غير تنافسية، ويؤدّي إلى زيادة معدّلات الهجرة.
الانتقال من التشخيص إلى تطبيق الحلول، كفيل بخفض الكلفة تلقائيًا، ما يؤدّي إلى تراجع الأسعار من دون الحاجة إلى الأساليب البوليسية التي أثبتت فشلها على مدار السنوات.
