أثار الارتفاع الملحوظ في أسعار السندات السياديّة اللبنانية ” اليوروبوند ” في الأسواق الثانوية موجة واسعة من التحليلات والتفسيرات المتباينة، تراوحت بين من اعتبره إشارة إيجابية على اقتراب لبنان من مسار التعافي وإعادة الاندماج المالي، ومن رأى فيه حركة تكتيكية تحكمها رهانات صناديق الاستثمار المتخصّصة بالديون المتعثّرة، من دون أن تعكس أي تحوّل جوهري في سياسات الدولة أو في واقع الأزمة البنيوية. وفي ظل هذا الجدل، تبرز تساؤلات أساسية حول دلالات هذا الارتفاع، وحدوده، ومخاطره، لا سيّما في ما يتعلّق بحقوق المودعين، وأولويات الدولة، وشروط إعادة هيكلة الدين العام.
يؤكد جاد جابر، دكتور اقتصاد في الجامعة الأميركية، لـ “كافيين دوت برس” أن ارتفاع أسعار السندات يعكس رهانات وتوقعات المستثمرين ولا يشكل سياسة معتمدة من الدولة، إذ لم تُقرّ أي خطة نهائية لإعادة هيكلة الدين الخارجي بعد.
وتنطلق وزارة المالية، وفق جابر، من مقاربة واضحة قائمة على مبدأ تكافؤ المعاملة بين الدائنين، وتربط أي مسار لإعادة هيكلة الدين الخارجيّ بإطار قانونيّ داخليّ شامل، هذا الإطار يجب أن يحدّد الفجوة الماليّة ويوّزع الخسائر ويطلق إعادة هيكلة المصارف وردّ الودائع ضمن معايير شفافة وعادلة.
ويشير إلى إقرار قانون إعادة هيكلة وحلّ المصارف وتعديلات قانون السريّة المصرفيّة، وإحالة مشروع قانون الإطار المالي واستقرار النظام المصرفيّ واستعادة الودائع إلى مجلس النواب.
ويصرّ جابر على أن استكمال هذا المسار الداخلي هو الشرط الأساسي لأي تفاوض ذي مصداقيّة مع الدائنين الخارجيين، لمنع تسوية على حساب المودعين.
ويحدد شروطاً ثلاثة لأي إعادة هيكلة ناجحة: خفض عبء خدمة الدين الأجنبي، وإعادة بناء قطاع مصرفي قابل للحياة، والالتزام بانضباط مالي يمنع العودة إلى العجز المزمن.
إشارات إيجابية وشروط صندوق النقد
من جهته، يفسر الخبير الاقتصادي باتريك مارديني لـ “كافيين دوت برس”، الارتفاع الأخير في سندات اليوروبوند بأنه نتيجة مباشرة لإقرار مجلس الوزراء لقانون الفجوة المالية وإحالته إلى البرلمان، ما يعني استيفاء أحد أصعب شروط صندوق النقد الدولي.
ويوضح أن استقرار سعر الصرف منذ صيف 2023، وإقرار موازنات، وقوانين رفع السريّة المصرفيّة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، كلّها مؤشرات تضع لبنان على طريق التعافي وأقرب إلى المسار الصحيح للتوصل إلى اتفاق مع الصندوق.
ويرى مارديني أن دخول صناديق الاستثمار المتخصصة بالديون المتعثرة غيّر ديناميكيات السوق، جاعلاً الأسعار أكثر حساسيّة وحدة للتطورات التشريعية أو السياسية بسبب انخفاض السيولة، مؤكداً أن ارتفاع الأسعار لا يعني توّقع استرداد كبير، بل “تراجع احتمال الاسترداد الصفري”.
ويحذر من أن العائق الأكبر يبقى هو أصواتاً في الداخل لا ترغب في اتفاق مع الصندوق، وأن أي تراجع في احتمال هذا الاتفاق سينعكس سلباً على الأسعار.
في موازاة ذلك، أفاد مصدر لـ “كافيين دوت برس”، بإن وزارة المالية تنطلق من مقاربة الاستدامة لا تُقاس بحجم الدين بحدّ ذاته، بل بقدرة الدولة على خدمته من دون اللجوء إلى استدانة جديدة أو تحميل الأجيال المقبلة أعباء غير قابلة للتحمّل. ولذلك، فإن أي مسار لإعادة الهيكلة يجب أن يحقّق خفضًا فعليًّا لعبء خدمة الدين بالعملات الأجنبية، وإعادة بناء قطاع مصرفي قابل للحياة، والالتزام بانضباط ماليّ يمنع العودة إلى العجز المزمن.
ويؤكد المصدر، أن إعادة الهيكلة المقصودة ليست استدانة جديدة، بل إعادة تسعير وجدولة ضمن قدرة دفع واقعيّة، مقرونة بإصلاحات بنيوية، محذّرا من أن الخطر الحقيقي على الأجيال المقبلة يكمن في تأجيل الإصلاحات أو اعتماد تسويات غير شفافة تُرحّل الخسائر إلى الدولة.
تحذيرات من الغبن وعدم المساءلة
في المقابل، يعبّر رئيس جمعية “أموالنا لنا” فراس طنوس لـ “كافيين دوت برس”، عن تحفظات جذريّة، ويصف خطة التعافي بأنها أُعدّت تحت ضغط المجتمع الدوليّ وهي إطار عام وليست خطة تنفيذية متكاملة.
ويرى أن التعامل مع سندات اليوروبوند بات مشابهًا للتعامل مع شركات وطنية ذات طابع خاص، ما يزيد من خطورتها بعد تحولها إلى دين خارجيّ بالكامل.
وينتقد طنوس قانون الإطار المالي الحالي لأنه يبدأ بطرح مسألة توزيع الخسائر قبل تحديد المسؤوليات، مطالبًا بإجراء تدقيق جنائيّ شامل في الدولة والمصارف والإدارات العامة قبل أي خطوة. ويشير إلى أن أرباح المصارف المتراكمة منذ 2014 تُقدّر بنحو 22.1 مليار دولار، وتمتلك عقارات شاسعة، مما يعني توفر أصول للمساءلة والتعويض.
ويؤكد طنوس أن حماية الأجيال المقبلة لا تكون على حسابها، بل عبر محاسبة من سرق المال العام، داعياً إلى تسليم البلد على أسس متينة، قائمة على قواعد صلبة، لا على رمال متحركة، معلنا أن جمعيته تعمل عبر ضغط تشريعيّ مباشر واجتماعات مع أصحاب القرار لتعديل القانون بشكل جذري، وليس عبر تحركات شعبوية.
تُظهر التصريحات المتقاطعة صورة معقدة للوضع اللبناني. من ناحية، تسير السلطة التنفيذية، بدعم من بعض الخبراء، في مسار يركز على استيفاء الشروط الفنيّة الدولية لفتح باب الإنقاذ، مع التعهد بالإنصاف بين جميع الدائنين. ومن ناحية أخرى، يصرّ المدافعون عن حقوق المودعين والمواطنين على أن أي إطار مالي سيبقى هشًا وغير عادل إذا لم يُبنَ على محاسبة حقيقية للمسؤولين عن الانهيار واسترداد الأموال المنهوبة أولاً.
يبقى التحدي الأكبر للبنان هو الجمع بين ضرورة السرعة في معالجة الانهيار المالي الذي يخنق الاقتصاد والمعيشة، وبين متطلبات العدالة والمساءلة التي تشكل الضمانة الوحيدة لاستقرار دائم واستعادة ثقة الشعب الذي دفع الثمن الأكبر. إن الطريق إلى التعافي محفوف بهذا التوتر العميق بين منطق الإنقاذ الفوري ومنطق المحاسبة الشاملة، فيما يراهن المستثمرون واللبنانيون على نتيجة هذا السباق المحتدم ضد الوقت وضد النسيان.
