تعيدنا مرافئ الصيادين المنتشرة على طول الساحل اللبناني إلى الزمن الجميل. فلائك خشبيّة تتمايل بهدوء بجانب أرصفة بحريّة متواضعة، وصيّادون سُمر، غارقون في تنظيف شباكهم الخضراء المرصّعة بالفوّاشات الحمراء. ومن عمق البحر تتعانق الصرخات، ابتهاجًا بغلّة وفيرة، مع دعوات الاسترزاق المجيدة. هذه المشهديّة، على جمالها «النوستالجي»، لا تنقلنا إلى المستقبل، ويستحيل أن تضعنا في مصافّ دول المتوسّط التي تنتج عشرات آلاف الأطنان من الأسماك باستخدام التكنولوجيا والاستزراع السمكي. وهي بذلك لا تؤمّن غلالًا وفيرة تعود عليها بالعملة الصعبة فحسب، إنّما تحمي أمنها الغذائي، أحد أكثر التحدّيات مثولًا أمام دول العالم.
شريطُنا الساحليّ الممتدّ على طول 225 كلم، وطبيعةُ مرافئنا الحِرفيّة الصغيرة، أصغرُ من أن تسمح بالصيد الاحترافيّ بواسطة السفن الصناعيّة الكبيرة، لكنّهما أكبرُ من أن يوفّرا إمكانيّات «الاستزراع السمكيّ». والطريقة الأخيرة، على أهمّيّتها، ظلّت لعقود طويلة غارقةً تحت أنواء تشريع يعود إلى زمن الانتداب الفرنسيّ في عشرينيّات القرن الماضي، ويُعرَف بـ«قرار المفوّض السامي رقم 2775، تاريخ 28/09/1929، المتعلّق بمراقبة الصيد البحريّ الساحليّ».
القانون جاهز وبانتظار الإقرار
حتى اليوم، لا يوجد قانون في لبنان يشرّع وينظّم تربية الأسماك بالأقفاص في البحر لغايات تجاريّة، أو ما يُعرَف تقنيًّا بـ«الاستزراع السمكيّ». وقد أدّى هذا المنع، المترافق مع تشدّد القوى الأمنيّة في إزالة الأقفاص وتغريم المخالفين، إلى ابتعاد الصيّادين والمستثمرين عن هذا السوق الواعد، والصاعد متوسّطيًّا بشكل هائل. «وبقي لبنان ينتج، في المتوسّط، 3500 طنّ فقط من الأسماك سنويًّا»، يقول وزير الزراعة الدكتور نزار هاني، «ويستورد ثلاثة إلى أربعة أضعاف هذا الرقم من الأسماك من الخارج، حتّى وصلت قيمة المستوردات في العام الماضي إلى حوالى 13 ألف طنّ».
إذاً، يُعدّ لبنان من البلدان القلائل على سواحل المتوسّط التي لا تملك تربية أسماك في البحر. والعائق الأساسي، المتمثّل في غياب القانون، جرى تذليله بحسب هاني «من خلال إنجاز اللجان المشتركة في مجلس النواب قانونًا عصريًّا وحديثًا لتنظيم الصيد البحري وتربية الأسماك بعد نحو 10 سنوات من العمل عليه». ويضيف أنّه «في الفترة الماضية ركّزنا الجهود مع لجنتي الزراعة والسياحة النيابيتين للخروج بقانون يراعي المتطلّبات الإنتاجية ولا يؤثّر على البيئة البحرية والسياحة المستدامة». وينتظر القانون عرضه على الهيئة العامة في أوّل جلسة تشريعيّة للبرلمان لإقراره.
مع صدور القانون وإصدار مراسيمه التطبيقية سريعًا، سيفتح لبنان أخيرًا الباب أمام إطلاق الاستزراع السمكي في البحر، بخطوة استراتيجيّة لقطاع واعد طال انتظارها. وتعمل وزارة الزراعة بالتعاون مع الجيش اللبناني ومنظّمة الأغذية والزراعة العالميّة (الفاو) على وضع دراسة علميّة لتحديد المواقع الأنسب لوضع الأقفاص العائمة، بما يضمن إنتاجيّة عالية وحماية للبيئة البحريّة. وقد أمّنت الوزارة التمويل الكافي لتطوير هذا القطاع، بما يعكس التزامها بتحويل التشريع إلى واقع ملموس على الأرض. كما تم تنظيم زيارات لفرق من الوزارة، وعدّة جهات معنيّة، إلى البلدان الرائدة في الاستزراع السمكي، ومنها تونس بشكل أساسي، للاستفادة من خبراتها في بناء منظومة مستدامة ومتكاملة في لبنان. «وقد وضعنا كلّ المخطّطات والدراسات لإجراء أوّل تجربة للاستزراع السمكي في البحر بالتعاون مع الجيش فور صدور القانون»، يضيف هاني. ذلك أنّ بعض تجارب الاستزراع السمكي القائمة في المياه الداخليّة، ولا سيّما في نهر العاصي، لا تزال محدودة ولا ترفع القدرة الإنتاجيّة للبنان إلى المستوى المطلوب.
تحفيز الاستثمار وزيادة النمو
زيادة الكميّات المنتجة من الأسماك محليًّا لا تساهم فقط في خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتعزيز النموّ الاقتصادي، بل تفتح أيضًا المجال لإدخال سلعة جديدة إلى الصادرات، مع كلّ ما يترتّب على ذلك من فرصة لجذب العملة الصعبة. وبحسب هاني، فإنّ «هذه الخطوة تمثّل فرصة جديدة للصيّادين والمزارعين وتعزّز الأمن الغذائي اللبناني، إذ يُعتبَر لحم السمك مهمًّا في السلسلة الغذائيّة لتوفير البروتين وضمان غذاء صحيّ وسليم».
الصيد المسؤول
بالتوازي مع تطوير قوانين الصيد البحري وفتح فرص الاستثمار الجديّة في قطاعات جديدة وواعدة، أطلقت وزارة الزراعة، بالتعاون مع منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتّحدة (الفاو)، من مرفأ العقيبة مبادرة نوعيّة تهدف إلى استبدال الشباك غير القانونيّة بمعدّات صيد قانونيّة، ضمن منطقة نموذجيّة تجريبيّة، في خطوة استراتيجيّة لمكافحة الصيد غير المشروع وتعزيز الإدارة المستدامة لمصايد الأسماك.
وتأتي هذه الخطوة في ختام مشروع «مصايد الأسماك والبيئة البحريّة» الذي تنفّذه الفاو بالتعاون مع وزارة الزراعة، بهدف دعم الصيّادين في الالتزام بالقوانين الوطنيّة الناظمة لقطاع الصيد البحري، وحماية النظم البيئيّة البحريّة، وتعزيز سبل عيش المجتمعات الساحليّة، بما يسهم في الأمن الغذائي الوطني.
حوكمة تشاركيّة وإدارة مشتركة
وتُعدّ هذه المبادرة محطة متقدّمة نحو حوكمة تشاركيّة لقطاع مصايد الأسماك، ترتكز على مبدأ الإدارة المشتركة، الذي يتم تفعيله من خلال لجان إدارة مجتمعيّة أُنشئت حديثًا في المنطقة النموذجيّة، بما يعزّز دور الصيّادين والمجتمع المحلّي في حماية الموارد البحريّة وإدارتها بشكل مسؤول.
الحاجات في لبنان كثيرة، لكنّ الفرص أكثر، وهي لا تتطلّب أكثر من إقرار قوانين تحفّز الاستثمارات وتفتح الأسواق في مختلف القطاعات أمام المنافسة الشفافة، بما يخلق فرص عمل، ويزيد الإنتاج، ويحفّز الصادرات، ويُحلّق بالنموّ الاقتصادي. وهذا هو المطلوب.
