أمّا وقد أصبحت موازنة 2026 واقعًا، على أساسه تُعقَد النفقات وتُجبى الإيرادات، تكاثرت الأسئلة عن مصادر هذه الأخيرة وانعكاسها على جيوب المكلّفين. فالحكومة أقرت بأن موازنة العام الحالي لا تتضمّن أيّ ضرائب جديدة، كما يُفترض قانونًا بالموازنات، من دون منّة أو «تربيح جميل». لكنّ الموازنة توقعت زيادة في الإيرادات العامّة بنسبة 20 في المئة عن موازنة العام الماضي، و75 في المئة عن الإيرادات المُحصّلة في العام 2024.
فمن أين تتأتّى هذه الزيادة في الإيرادات، إن كانت الإيرادات غير الضريبيّة لا تمثّل إلّا نسبة ضئيلة من الموازنة، وعادةً ما تكون توقّعاتها أكبر من الأرقام الفعليّة المُحقّقة؟ وإن كانت الموازنة أيضًا قد أحجمت عن تمرير ضرائب مستترة تحت جنح «فرسان الموازنة؟».
النظرة التي تحكم معدي الموازنة
لنعد قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى العام 2024، حيث يُظهر تقرير الماليّة العامّة الصادر أخيرًا أنّ إجماليّ الإيرادات المُحقّقة بلغ 3 مليارات و419 مليون دولار، منها ملياران و834 مليون دولار من الضرائب، بنسبة وصلت إلى 83 في المئة.
القصّة ليست هنا، إنّما في تجاوز الإيرادات الضريبيّة الفعليّة المبلغ المدرج في الموازنة بنسبة 4.3 في المئة، فيما تراجعت الإيرادات غير الضريبيّة بنسبة 20 في المئة.
من الطبيعي أن يتأمّل معدّو الموازنة العامّة هذه المشهديّة طويلًا، ويبنون عليها مستقبل البلاد والعباد، ولا سيّما في ظلّ فقدان الأمل بالخروج من القطاع العام المترهّل والضعيف والمكلِف. فلماذا نُوجِع رأسنا بإيرادات من القطاع العام لم تُدرّ أكثر من 600 مليون دولار في العام 2024، رغم أنّه يعمل في بيئة احتكاريّة لا ينافسه فيها أحد، ويقدّم، فوق ذلك، مروحة واسعة من الخدمات، تبدأ بالكهرباء والاتصالات، وتمرّ بتصنيع واستيراد الدخان، وإدارة استراحات بـ«تراب المصاري»، وتلج السماء بحقّ حصري، وتصل إلى الترفيه ولعب القمار.
مصادر الإيرادات في موازنة 2026
هذه الخلطة «العقيمة»، أنجبت لهذا العام، موازنة مشوّهة بالاعتماد شبه المطلق على الإيرادات الضريبية، ولا سيّما منها غير المباشرة. لتعود هذه الإيرادات وتقترب من المستويات المحقّقة في أعوام ما قبل الانهيار، إذا ما قورنت بالناتج المحلّي الإجمالي. وقد بلغت إيرادات حصة الإيرادات من الناتج نحو 18.7 في المئة، مقارنة مع 20 في المئة في العام 2018.
فكيف توزّعت؟
تُظهر أرقام الموازنة زيادة كبيرة في الضرائب على الأرباح، والدخل، والأملاك، والرسوم الجمركية، وعلى الغرامات والمتأخّرات، ذلك مع العلم أنّ الماليّة لا تنفكّ تصدر الإعفاءات بسبب التقصير الحاصل من قبلها وعدم قدرتها على استيعاب كلّ المعاملات. وقد أتت هذه الزيادة بشكل أساسي من خلال تعديل سعر الصرف، ورفع نسب الرسوم ولا سيّما على الاستهلاك الداخلي، وتعديل الشطور للكثير من الضرائب. وتُظهر المواد 15 و16 و18 و43 و46 و47 التعديلات التي أُدخلت على الضرائب والرسوم.
وبالأرقام، تتوقّع موازنة 2026 تحصيل 65 في المئة من إجمالي الإيرادات من الضرائب غير المباشرة، و35 في المئة من الضرائب المباشرة. وهي تتوزّع على الشكل التالي:
الضرائب المباشرة:
ضريبة الدخل على الأرباح بقيمة 364 مليونًا و137 ألف دولار، بزيادة نسبتها 73 في المئة عن العام 2024.
ضريبة الدخل على الرواتب والأجور بقيمة 225 مليونًا و428 ألف دولار، وبزيادة نسبتها 96.2 في المئة عن العام 2024.
ضريبة الدخل على رؤوس الأموال المنقولة بقيمة 30 مليونًا و274 ألف دولار، وبتقلّص نسبته -22 في المئة عن العام 2024.
ضريبة الدخل على الفوائد المصرفية بقيمة 20 مليونًا و704 آلاف دولار، وبتقلّص نسبته -18 في المئة عن العام 2024.
الضريبة على الأملاك بقيمة 402 مليون و324 ألف دولار، وبزيادة نسبتها 102 في المئة عن العام 2024.
الضرائب غير المباشرة:
الضريبة على القيمة المضافة بقيمة مليارين و75 مليون دولار، وبزيادة نسبتها 55 في المئة عن العام 2024.
الرسوم الجمركية بقيمة 826 مليون دولار، وبزيادة 155 في المئة عن العام 2024.
ويشكّل هذان البندان وحدهما ما قيمته مليارين و854 مليون دولار، وبزيادة نسبتها 62.6 في المئة عن العام 2024.
في المقابل، هناك إيرادات ضريبية أخرى بقيمة تفوق مليار دولار، وتمثّل زيادة بنسبة 82 في المئة عن العام 2024.
الإيرادات غير الضريبية
وفيما يخصّ الإيرادات غير الضريبية، فتتوقّع موازنة العام الحالي إيرادًا من الإدارات العامّة والمؤسّسات وأملاك الدولة بقيمة 718 مليون دولار، من ضمنها عائدات الاتصالات بقيمة 482.5 مليون دولار، ونحو 306 ملايين دولار من الرسوم الإدارية والمبيعات، و3 ملايين دولار من الغرامات والمصادرات.
لا سحر في موازنة 2026، بل مجرد زيادة في نسب الرسوم المختلفة. والمفارقة أن هذه الرسوم تُفرض لتغطية نفقات يذهب 85 في المئة منها لتشغيل القطاع العام فقط. ومع كل زيادة في الرسوم، يفقد المدخول جزءًا كبيرًا من قيمته، فتتجدّد المطالب بزيادة الأجور، خصوصًا في القطاع العام، فتزداد الأجور وتزداد معها الضرائب والرسوم، وهكذا نستمر في الدوران داخل الحلقة المفرغة من دون أي حلّ جدي.
الحل المنطقي يكمن في تخفيض النفقات، ما يمنح الدولة القدرة على خفض الرسوم والحفاظ على القدرة الشرائية للمداخيل، بعيدًا عن إرهاق المواطنين بالضرائب والرسوم التي يتوقع أن تتصاعد عاما بعد آخر.
