تُسلّط قضيّة القزّي الضوء على الطريقة التي يُدار بها قطاع الجمارك، في بلد يعاني انهياراً اقتصادياً على مختلف المستويات. فهذا القطاع، الذي يُعدّ أحد أبرز بؤر الهدر والفساد، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع ضعف الرقابة وتسييس التعيينات الإدارية، يشكّل نموذجاً مصغّراً عن أزمة الدولة اللبنانية.
[…]
ملفّ القزّي
ليست فقط قضيّة تفجير مرفأ بيروت، فللقزّي ملفّ قضائي عالق في النيابة العامّة الاستئنافية منذ العام 2019، وبحسب الادّعاء، تبيّن أنه بين العامين 2015 و2016 سُجّل نحو ثلاثين مخالفة بحقّ المخلّص الجمركي أنطوان عاقوري. في تلك الفترة، كانت القزّي تشغل منصب رئيس دائرة المعاينة، وهو موقع يخوّلها قانونياً صلاحية تخفيض الغرامات المفروضة على عاقوري أو إلغائها كلّياً، أي أنها كانت تمارس سلطة رقابية مباشرة عليه.
وأظهرت التحقيقات أنها قامت في الفترة نفسها بشراء عقار من عاقوري في منطقة قرنة شهوان، بسعر يقلّ عن قيمته الحقيقية بأكثر من الضعف. فقد اشترت العقار مقابل 158 ألف دولار، في حين قدّر الخبير المكلّف من القضاء قيمته الفعلية بنحو 465 ألف دولار.
على إثر ذلك، وسّعت النيابة العامّة الاستئنافية نطاق التحقيق، وطلبت من هيئة التحقيق الخاصّة في مصرف لبنان، المسؤولة عن كشف جرائم تبييض الأموال، التدقيق في ممتلكات القزّي، وتبيّن امتلاكها عقارات وأموالاً لا تتناسب مع مدخولها الوظيفي، ولا يمكن تبريرها وفق المعايير القانونية المعتمدة.
ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، إذ سُجّلت مخالفة إضافية بحقّ القزّي، فبعد إحالة ملفّها إلى قاضي التحقيق الأوّل في نيسان/ أبريل 2019، صدر قرار بوقفها عن العمل، لكنّها خالفت هذا القرار القضائي، واستمرّت في ممارسة مهامها من دون محاسبة تُذكر.
تُسلّط قضيّة القزّي الضوء على الطريقة التي يُدار بها قطاع الجمارك، في بلد يعاني انهياراً اقتصادياً على مختلف المستويات. فهذا القطاع، الذي يُعدّ أحد أبرز بؤر الهدر والفساد، حيث تتقاطع شبكات التهريب مع ضعف الرقابة وتسييس التعيينات الإدارية، يشكّل نموذجاً مصغّراً عن أزمة الدولة اللبنانية.
يوضح الباحث في “المعهد اللبناني لدراسات السوق” خالد أبو شقرا، في حديث لـ”درج”، أن “التهرّب الجمركي يكلّف الخزينة أموالاً طائلة”، ويعطي مثالاً على ذلك بالإشارة إلى أن “الخزينة استوفت في العام 2024 رسوماً جمركية بقيمة 548 مليون دولار، أي ما يشكّل نحو 17 في المئة فقط من إجمالي الواردات المقدّرة في موازنة ذلك العام، بنحو 3.4 مليارات دولار”.
ويلفت أبو شقرا إلى أن “مقارنة الرسوم الجمركية المستوفاة مع حجم الواردات تكشف الفجوة الكبيرة الناتجة عن التهريب. فقد بلغ حجم البضائع والسلع المستوردة إلى لبنان نحو 16.9 مليار دولار، ما يعني أن حصيلة الرسوم الجمركية لم تتجاوز 3.3 في المئة من إجمالي قيمة الواردات. ويُعدّ هذا الرقم منخفضاً للغاية، إذ يقلّ عن الحدّ الأدنى للرسوم الجمركية المحدّدة بـ5 في المئة على عدد كبير من السلع، التي قد تصل إلى نحو 30 في المئة على بعض الأصناف، وبمعنى آخر، فإن الرسوم المستوفاة لم تبلغ حتى الحدّ الأدنى المفترض تحصيله قانونياً”.
وفي السياق نفسه، يشير أبو شقرا إلى أنه “في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2025، ارتفعت الإيرادات الجمركية إلى 787 مليون دولار، بزيادة نسبتها 101 في المئة، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، إلا أنها بقيت أقلّ بنحو 12 في المئة من الإيرادات المحقّقة قبل الانهيار، التي بلغت 894 مليون دولار”، ويعزو هذه الزيادة إلى “تحسّن نسبي في الجباية من جهة، ونموّ التجارة الخارجية بنحو 14 في المئة من جهة أخرى”.
في المحصّلة، لا يمكن فصل تعيين غراسيا القزّي عن السياق الأوسع لإدارة الدولة اللبنانية، حيث تُقدَّم التسويات السياسية على معايير المحاسبة، وتُغلَّب “الاستمرارية” أو “الواقعية” على أيّ مسار إصلاحي جذري.
فحين يُكافأ مسؤول تحيط به شبهات قضائية بمنصب أكثر حساسية، وحين يُدار أحد أخطر أبواب الهدر المالي بعقلية المحاصصة، تصبح العدالة ترفاً مؤجّلاً، والإصلاح شعاراً بلا مضمون.
