يبذل المسؤولون اللبنانيون، مراراً، جهداً كبيراً لتفسير البديهي من دون أن يضيفوا أي نتيجة جديدة. فيقعون في فخ المثل القائل: «برّر الماء بعد الجهد بالماء». هذا تماماً ما يخرج به المراقب من تبرير وزير المالية ياسين جابر، في مؤتمره الصحافي، تضخّم حجم القطاع العام وانتفاء الحاجة والقدرة معاً على تصغيره عبر إعادة هيكلة جدية.
أوحى جابر، في معرض شرحه الزيادات على الرسوم والضرائب لتمويل زيادات الرواتب، بأن حجم القطاع العام طبيعي. فهناك 120 ألف عسكري في الأسلاك العسكرية المختلفة، ولا يمكن الاستغناء عن أي منهم. بل إن الحاجة قائمة إلى زيادة التطويع، إذ يشكو قائد الجيش من نقص العديد للانتشار في الجنوب وبعض المناطق.
توزيع الموظفين
يُضاف إلى العسكريين في الخدمة الفعلية نحو 80 ألف متقاعد من القوى المسلحة، و50 ألفاً من بقية الأسلاك المدنية. و«نحن مجبورون بهم»، قالها جابر، «وهم أمر واقع لا يمكن المساس به». وهناك أفراد الهيئة التعليمية الذين أشار إليهم من دون ذكر عددهم. ويبلغ عددهم، بحسب إحصاء لـ«الدولية للمعلومات» يعود إلى عام 2021، نحو 40 ألف معلم ومعلمة.
ويبقى القطاع العام الذي «يضم نحو 8 إلى 9 آلاف موظف فقط». هؤلاء، بحسب جابر، لا يمثلون زيادة، بل إن عددهم أقل من العدد المحجوز في الملاك، الذي يصل إلى نحو 30 ألف موظف. ولم يأتِ على ذكر موظفي البلديات الذين تُدفع رواتبهم أيضاً من المال العام، عبر الرسوم والضرائب وعائدات الخدمات التي يسددها المواطنون والقطاع الخاص.
فعلى ماذا كل هذه «الطوشة» حول إصلاح القطاع العام واعتبار عدده متضخماً؟ يسأل جابر ضمناً، مضيفاً أن زيادة رواتبهم حق ليعيشوا بكرامة.
قطاع مشوه
يظلّ حجم القطاع العام اللبناني مشوّهاً مهما جرى تجميله. والدليل ثلاث معطيات أساسية:
أولاً: يشكّل القطاع العام أكثر من 30 في المئة من قوى الإنتاج، في حين يتراوح المتوسط العالمي بين 10 و15 في المئة.
ثانياً: تمتص رواتب وأجور القطاع العام، بحسب وزير المال، 50 في المئة من الموازنة، أي نحو 3 مليارات دولار من موازنة 2026. ومع إضافة التقديمات واللوجستيات وصيانة الأبنية وتأمين المستلزمات، ترتفع الكلفة إلى 4.5 مليارات دولار، أي نحو 75 في المئة من الموازنة.
ثالثاً: تراجع إنتاجية القطاع العام. ومن دون الخوض في الفساد والرشاوى في إدارات عدة، ولا سيما دوائر النفوس والنافعة والعقارية، وتكرار الإضرابات، فإن هذا القطاع لا يؤمّن إيرادات تتجاوز مليار دولار.
إصلاح الرواتب وأنظمة التقاعد
التسليم جدلاً بوجود 130 ألف متقاعد من مختلف الأسلاك المدنية والعسكرية، يقابله هامش واسع لتخفيض أعداد الـ200 ألف المتبقين في بقية القطاعات، بنسبة لا تقل عن 20 إلى 30 في المئة. ويمكن إصلاح أنظمة التقاعد والتعويض، وخصخصة مرافق عدة، ونقل موظفيها من القطاع العام المترهل إلى القطاع الخاص.
في الأسلاك العسكرية، يتقاضى العسكري تعويض نهاية خدمة مضروباً بثلاث مرات وفق التدبير رقم 3، ويستمر في تقاضي معاش تقاعدي. بخلاف الأسلاك المدنية، حيث يُخيَّر الموظف بين الراتب التقاعدي أو تعويض نهاية الخدمة. ويستمر راتب العسكري إلى «ولد الولد»، إذ ينتقل إلى الزوجة ثم إلى الأولاد القاصرين، وإلى الإناث العازبات أو الأرامل غير الميسورات. ويُضاف إليه تأمين صحي للعائلة والأهل، ومنح دراسية كانت تصل إلى 100 في المئة قبل الأزمة.
هذا النظام يحتاج إلى إصلاح جدي. فبحسب مراقبين، يمكن الاستعاضة عن العدد الكبير بالتقنيات الحديثة، بعدما أصبحت أنظمة كثيرة تعتمد على المراقبة الآلية وجمع البيانات من مراكز معلومات. هذا فضلاً عن تقليص وحدات أُنشئت لاعتبارات سياسية أكثر منها حاجة فعلية، ونقل العناصر من حماية الشخصيات إلى مواقع الحاجة. ومع هذه الإجراءات، قد تنتفي الحاجة إلى مزيد من التطويع.
أما في الأسلاك المدنية، فالمسألة لا تقل تعقيداً. إذ يبلغ عدد المعلمين نحو 40 ألفاً لنحو 250 ألف تلميذ، أي بمعدل أستاذ لكل ستة تلامذة، فيما تتضاعف هذه النسبة تقريباً في القطاع الخاص.
وتشير الأرقام إلى وجود عشرات المؤسسات التي لم يعد لوجودها مبرر، وتضم آلاف الموظفين الذين يتقاضون رواتب من دون إنتاج فعلي. في المقابل، هناك آلاف الموظفين والمتعاقدين ومقدمي الخدمات في قطاعي الاتصالات والكهرباء، يُفترض أن ينتقلوا إلى القطاع الخاص بعد تنفيذ القانونين 431 (الاتصالات) و462 (الكهرباء) وإعادة هيكلة هذين القطاعين.
مصادر بديلة للإيرادات
بغض النظر عن نسبة التخفيض الممكنة، تبقى العبرة في إطلاق مسار إصلاحي جدي يوجّه رسالة واضحة. وأسوأ ما يقع فيه المسؤولون هو التذرع بعدم القدرة على فرض الغرامات على المخالفين في الأملاك البحرية والنهرية والجبال والمقالع والكسارات، والاستعاضة عنها بفرض الرسوم والضرائب على القطاع المنتج.
بعد إصلاح القطاع العام وتخفيض حجمه وإعادة هيكلته، يتوجب الانتقال إلى جباية الإيرادات من مصادرها الفعلية. فالضريبة على القيمة المضافة المقدّرة في موازنة 2026 بنحو ملياري دولار، كان يفترض أن تبلغ 3 مليارات، بحسب الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، ما يعني أن التهرب منها يقارب مليار دولار. أما الإيرادات الجمركية فلا تتجاوز 3 في المئة من قيمة المستوردات، فيما يفترض ألا تقل عن 10 في المئة. وهناك مؤسسات ومنتجعات تستثمرها الدولة بمردود متدنٍ جداً؛ فعائد استراحة صور وقصر الأمير أمين واستراحة صيدا مقدّر في موازنة 2026 بـ34 ألف دولار فقط، وهو ما يعادل إيراد يوم صيفي واحد في استراحة صور.
التفاوت مع القطاع الخاص
الزيادة التي أُعطيت لموظفي القطاع العام عززت التفاوت مع القطاع الخاص، وبالأرقام:
يتقاضى موظفو القطاع العام راتباً يوازي 19 ضعفاً من أساس راتبهم في عام 2019، إضافة إلى تقديمات أبرزها التي أقرتها حكومة الرئيس ميقاتي في 28 شباط 2024، وهي:
- بدل حضور يومي بين 8 و16 صفيحة بنزين، وفق التصنيف الوظيفي، بمعدل 14 يوم عمل شهرياً كحد أدنى.
• تعويض مثابرة بين 15 و25 مليون ليرة تبعاً للفئة.
وعليه، من كان راتبه مليون ليرة في عام 2019 (663 دولاراً)، أصبح اليوم يتقاضى نحو 534 دولاراً موزعة على:
19 مليون ليرة أساس راتب،
13 مليوناً و600 ألف بدل بنزين،
15 مليون بدل مثابرة.
وبذلك تكون رواتب 70 في المئة من القطاع العام، مع الحوافز، قد استعادت نحو 80 في المئة من قيمتها السابقة.
في المقابل، ما زال نحو 70 في المئة من مستخدمي القطاع الخاص يتقاضون أقل من نصف ما كانوا يحصلون عليه في عام 2019، فيما انخفض الحد الأدنى للأجور من 450 دولاراً إلى 310 دولارات.
