لبنان خارج سباق الاتصالات العالمي

الاتصالات

في الوقت الذي يسعى فيه لبنان إلى تلزيم شركتي الخليوي بالطريقة التقليدية، تُظهر أحدث الدراسات أن دور شركات الاتصالات لم يعد يقتصر على كونها “مزوّد خدمة ومكالمات”، بل بات أقرب إلى عملاق تكنولوجي متكامل. فالنموذج الأول الذي هيمن لعقود أصبح اليوم محدود القيمة في عالم تتحرك فيه التكنولوجيا بسرعة تفوق البنية التقليدية.

وتشير تحليلات مؤسسات استشارية عالمية مثل KPMG وPwC، نشرها موقع “سي أن أن اقتصادية”، إلى أن قطاع الاتصالات يمرّ بما يُعرف بمرحلة التحول من «Telco» إلى «Techco»، أي من مشغّل شبكة إلى شركة تكنولوجيا متكاملة. والسبب واضح: الإيرادات التقليدية لم تعد كافية، والتطور التكنولوجي يتسارع، وهوامش الربح تتعرض لضغوط، فيما انتقلت القيمة الأعلى إلى الخدمات الرقمية المتقدمة.

وتبيّن الدراسات أنه في المرحلة الأولى كانت المنافسة تتركز على التغطية الجغرافية وسرعات الاتصال، ثم جاءت مرحلة الاستثمار الكثيف في الألياف الضوئية والجيل الخامس (5G). أما اليوم، فقد تغيّرت المعادلة بالكامل؛ فالشركات التي تريد البقاء في الصدارة تستثمر في مراكز بيانات إقليمية وعالمية، وخدمات الحوسبة السحابية للمؤسسات، والأمن السيبراني، وحلول إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي لإدارة الشبكات.

وبحسب تقرير لـ McKinsey، هناك سبعة اتجاهات تقنية تعيد تشكيل قطاع الاتصالات عالميًا، في مقدمتها الذكاء الاصطناعي والسحابة. وبمعنى آخر، لم تعد الشبكة منتجًا بحد ذاتها، بل أصبحت قاعدة تُبنى عليها منظومة متكاملة من الخدمات الرقمية.

نموذج أعمال جديد

تشير تقارير PwC إلى أن شركات الاتصالات التي تعتمد فقط على الاشتراكات التقليدية تواجه تباطؤًا في النمو، فيما يأتي النمو الحقيقي من خدمات الأعمال (B2B)، وإدارة البيانات، والحلول السحابية، والتحول الرقمي للمؤسسات.

والفرق جوهري: فالشركة لم تعد تبيع دقائق اتصال أو باقات بيانات، بل تبيع حلولًا رقمية متكاملة تُشغّل قطاعات بأكملها.

وتؤكد تقارير التحول الصناعي أن التغيير الحقيقي لا يحدث في الأبراج أو الخوادم، بل في الثقافة المؤسسية. فشركة الاتصالات التي تطمح إلى أن تصبح عملاق تكنولوجيا تحتاج إلى كوادر برمجية وهندسية عالية المستوى، وشراكات عالمية، واستثمارات طويلة الأجل في الابتكار.

«الرهان على المستقبل»

إذاً، هذا ليس توسّعًا جانبيًا، بل إعادة تعريف كاملة للهوية. فالاقتصاد الرقمي لا ينتظر المتردّدين، والشركات التي تبقى في نموذج «مشغّل شبكة» قد ترى قيمتها تتآكل تدريجيًا. ولعلّ هذا ما يحصل مع شركات الاتصالات الخليوية في لبنان؛ إذ كانت قيمتها تُقدَّر بمليارات الدولارات، فيما لا تتعدّى اليوم نصف مليار دولار لكل واحدة.

وهذا ما أعاد التفكير في جدوى بيعها كليًا للقطاع الخاص، إذ إن بيعُهما قد يؤمّن إيرادات تعادل ما تحصّله الخزينة منهما خلال عامين أو أقل، علمًا أن الشركتين تؤمّنان نحو 600 مليون دولار سنويًا.

في المقابل، فإن بقاء الشركتين في يد الدولة أو تلزيمهما وفق الأسلوب التقليدي قد يُبقيهما متخلّفتين تقنيًا، إذ قد يلجأ المشغّل إلى خفض الإنفاق للحفاظ على مستوى الأرباح. كما قد تستمر التدخلات السياسية والتوظيف العشوائي وتغليب المصالح الشخصية على حساب تطوير القطاع.

من هنا، قد تتحوّل التضحية بإيرادات سنوية قدرها 600 مليون دولار إلى فرصة تدرّ مليارات الدولارات على الاقتصاد، في حال جرى تطوير الشركتين ووضعهما في مصاف الشركات العالمية المتقدمة، بما تخلقه من قيمة مضافة وجذب لشركات التكنولوجيا والاستثمارات الخاصة.

وعليه، فإن تحويل هاتين الشركتين إلى منصة رقمية متكاملة تستحوذ على حصة وازنة من القيمة في الاقتصاد الجديد بات خيارًا استراتيجيًا، ذلك ان السؤال لم يعد: هل ستتحول شركات الاتصالات إلى عمالقة تكنولوجيا؟ بل: من سيقود هذا التحوّل؟ ومن سيجد نفسه خارج المعادلة؟