الكهرباء عود على بدء (3/3) آن أوان وداع احتكار الكهرباء

الكهرباء

تعايش اللبنانيون طوال سنوات مع غياب مؤسسة كهرباء لبنان. و«لأن الطبيعة تكره الفراغ»، عُوِّض غياب الشرعية الطاقوية بالمولدات الخاصة لتأمين الكهرباء. فنمت هذه الأخيرة كالفطريات، وتمدّدت على طول خريطة الوطن وعرضها، مستفيدة من «ضبابية» السياسات العامة وحاجات المواطنين الماسّة.

ما بدأ كمولّد صغير في حيّ، ما لبث أن توسّع حتى أصبح قطاعًا قائمًا بذاته يضمّ، بحسب «الدولية للمعلومات»، 11 ألف مولّد، ويستهلك 140 مليون صفيحة مازوت سنويًا، ويوظّف جيشًا من العاملين، ويستبدل قطع غيار بملايين الدولارات. ويُقدَّر حجم القطاع بحوالي ملياري دولار.

خطر المولدات

صحيح أن حلّ المولدات عوّض غياب مؤسسة كهرباء لبنان، إلا أنه حمّل الاقتصاد فاتورة باهظة. فالكلفة لم تنحصر بالسعر المرتفع الذي يتجاوز 65 سنتًا للكيلوواط ساعة، بل امتدّت إلى التلوّث وزيادة معدلات السرطان، نظرًا لعدم التزام أصحاب المولدات بشروط السلامة العامة. فمن أصل 28 شرطًا تفرضها بلدية بيروت على مولدات المؤسسات المنتشرة بكثافة بين الأحياء السكنية، لا يُطبَّق أيٌّ منها. ولعل أخطر ما تتجاهله المؤسسات، ومن ضمنها مؤسسات صحية وطبية، هو تركيب فلاتر (diesel particulate filter) على مداخن المولدات التي تزيد قدرتها عن 250 KVA، للحدّ من التلوّث الكبير الذي تسببه. وهذا الشرط الملزم لإعطاء رخصة مولّد لا يتم الالتزام به حتى من المولدات الخاضعة للترخيص والرقابة، فما بالنا بمئات المولدات التجارية التي لا تخضع لأي ضوابط؟

الحل؟

إزاء هذا الواقع، تبرز ثلاثة حلول يمكن اعتمادها مجتمعة أو كلٌّ على حدة للخروج من «محنة» غياب الكهرباء.

التعاون بين البلديات والقطاع الخاص

الحل الأول يتمثل في دمج قطاع المولدات مع وحدات الطاقة الشمسية الفردية التي توسّعت بشكل هائل بعد عام 2021، ووصل مقدار ما تؤمّنه من طاقة إلى نحو 1500 ميغاواط. ومن الممكن اعتماد هذا الحل بمساعدة ودعم من البلديات واتحاداتها على نطاق واسع في القرى والمناطق التي ساعدها موقعها الجغرافي وطبيعة العمران فيها على تركيب وحدات الطاقة الشمسية الفردية. فـ تتعاون البلديات مع القطاع الخاص في إنشاء مزارع للطاقة الشمسية، يتم شبكها بواسطة العدادات الذكية مع الوحدات الفردية على سطوح المنازل، وتُستخدم شبكات المولدات لنقل الطاقة، ويُستعان بها في ساعات الليل وأيام الشتاء التي يتراجع فيها الإشعاع الشمسي. وبهذه الطريقة تتحوّل المولدات إلى جزء من الحل بدلًا من أن تبقى جزءًا من المشكلة. ونكرّس اللامركزية الإدارية، ونؤمّن إيرادات للبلديات من تأجير أراضيها، ولا نخلق مشاكل مع أصحاب المولدات. والأهم من ذلك كلّه أننا نؤمّن طاقة مستدامة وبكلفة قليلة ماديًا وصحيًا وبيئيًا.

التوسع بإنشاء مزارع الطاقة الشمسية

الحل الثاني هو الاستفادة من القوانين المُقرّة، وأهمها القانون 462 لعام 2002، وما نتج عنه مؤخرًا، وبعد سنوات طويلة، من تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، التي يُفترض بها تفكيك قطاع الكهرباء وفصل الإنتاج عن النقل والتوزيع، وإدخال القطاع الخاص كشريك في الإنتاج والتوزيع في المرحلة الأولى، مع إمكانية إدارته لقطاع النقل في المراحل المقبلة. وأيضًا الاستفادة من قانون إنتاج الطاقة المتجددة المربوط بتشكيل الهيئة الناظمة. وعليه، من الممكن إسناد إنشاء مزارع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على مستوى مركزي، ونقل هذه الطاقة إلى المناطق الأبعد المحرومة من القدرة على التوسّع في تركيب الوحدات الفردية، وتوزيعها من قبل القطاع الخاص. وبهذه الطريقة نوفر أيضًا حلًا نظيفًا وبيئيًا ومستدامًا.

إنشاء واستثمار المعامل

أما الحل الثالث، فهو السماح للقطاع الخاص بالدخول إلى إنتاج الكهرباء من الباب العريض عبر إنشاء أو استثمار معامل الانتاج التي تعمل على الغاز أو الفيول أويل، أو حتى من النفايات عبر آلية تقنية تحويل النفايات إلى طاقة (Waste-to-Energy – WtE). وقد بدأت بوادر هذه الظاهرة تظهر، ولو بشكل خجول، في المطامر المركزية، حيث رخّص مجلس الوزراء وأحال إلى وزارة المالية نسخة عن كتاب مجلس الإنماء والإعمار المتعلق بتكليفه إعداد دراسة تنفيذ مشروعين في مطمر الجديدة غرب بيروت: إنشاء منظومة توليد كهرباء من الطاقة الشمسية على سطح المطمر، وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المنبعث منه. ونظرًا للعجز عن حل أزمة الكهرباء وانتشار المطامر، فإن الحل يمكن أن يتولّد من حرق النفايات بطريقة بيئية، ومن توليد الغاز من النفايات المردومة. وبهذه الطريقة نصيب عصفوري أزمة النفايات والكهرباء بحجر واحد.

لا أمل بمؤسسة الكهرباء

المفارقة أن كل الحلول تأخذنا بعيدًا عن مؤسسة كهرباء لبنان، مع العلم أن هذه المؤسسة ستبقى موجودة، إنما ليس بشكلها الاحتكاري الحالي. فبحسب القانون 462، يجب تحويل مؤسسة كهرباء لبنان من مؤسسة عامة إلى شركة خاضعة لقانون التجارة، ما يسهل دخول ومشاركة القطاع الخاص في قطاعات الإنتاج والنقل والتوزيع. ويسمح القانون للقطاع الخاص بامتلاك 40% من الإنتاج والتوزيع في أول عامين، على أن يتخذ مجلس الوزراء قرارًا بزيادة حصته في السنوات اللاحقة.

يبقى تحرير قطاع الكهرباء من احتكار مؤسسة كهرباء لبنان، والانتقال إلى الحلول العملية والعلمية البديلة، رهينًا بفعالية الهيئة الناظمة ولعبها دورها المرتجى. ومن المهم جدًا الخروج من «صندوق» المؤسسات العامة الذي وضعتنا فيه النخب السياسية، ليس لأنه يؤمّن خدمة عامة، بل لأنه الأقدر على خدمة مصالحها وإحكام قبضتها على البلاد والعباد.