“مجلس النقد”.. طوق نجاة لبنان في الحرب بين أميركا وإيران

الحرب

تمديد جولات المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لم يطمئن الأسواق المالية. وها هو العالم يصحو، بداية آذار، على بدء الحرب على إيران، حيث وجّهت إسرائيل «ضربات وقائية» في العمق الإيراني، على حد ما أعلن متحدثها الرسمي، ومن المتوقع أن يتبعها تكثيف للضربات المشتركة الأميركية–الإسرائيلية.

تحركات السلع والعملات الرقمية

سريعًا عاد الذهب ليسجّل ارتفاعات كبيرة، بوصفه أحد أكثر الملاذات أمانًا، فارتفع السعر في المعاملات الفورية إلى 5278 دولارًا للأونصة، من 5175.03 قبل يوم واحد، وارتفع الخام الأميركي بنسبة 3 في المئة ليصل إلى حدود 73 دولارًا للبرميل.

ماذا يفعل لبنان؟

وسط اتخاذ الأسواق المالية العالمية تدابير احترازية تحسبًا من الحرب على إيران، يجد لبنان نفسه عالقًا وسط الصراع، مع احتمال تكبّده خسائر كبيرة. وإذا ابتعدنا عن الأخطار المباشرة التي تهدد بناه التحتية، وتشلّ موسم السياحة الصيفية، وتُبعد المستثمرين فيما لو دخل حزب الله في معركة مباشرة مع إسرائيل، فإن هناك ثلاثة أخطار غير مباشرة كبيرة قد يتحمّلها جراء الصراع:

الخطر الأول يتمثل في انعكاس ارتفاع سعر النفط عالميًا على الميزان التجاري. فكل السيناريوهات تشير إلى إمكانية ارتفاع سعر برميل النفط إذا تحوّل الصراع البارد بين أميركا وإيران إلى ساخن. فبحسب تصريح الخبير في شؤون النفط نبيل المرسومي لموقع الجزيرة، فإن إيران قد تضرب منشآت نفطية في المنطقة في حال اندلاع المواجهة، ما قد يؤدي إلى خفض إمدادات النفط من المنطقة إلى النصف تقريبًا، وبالتالي ارتفاع أسعاره فوق 100 دولار. أما إذا أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره ثلث الإنتاج العالمي من النفط، فهذا يعني، بحسب المرسومي، أن ربع إمدادات العالم من النفط وخُمس إمدادات العالم من الغاز ستتوقف، ما قد يُحدث هزة في سوق الطاقة العالمي، مع توقع صعود برميل النفط إلى 130 دولارًا. وعليه، قد ترتفع فاتورة النفط في لبنان من حدود 4.8 مليارات دولار إلى أكثر من 7 مليارات دولار، مع إمكانية أن تلامس 9 مليارات دولار، وخصوصًا إذا بقي الاستهلاك مماثلًا للعام 2025، وبمعدل وسطي يبلغ نحو 127 ألف برميل يوميًا من المنتجات النفطية المنقولة بحرًا. وهو الأمر الذي سيضغط بشدة على الميزان التجاري، الذي سجّل عجزًا قدره 17.5 مليار دولار في العام الماضي.

الخطر الثاني يتمثل في تدهور قيمة الليرة اللبنانية. فزيادة الطلب على الدولار، إما للتحوط وإما لتأمين الواردات، وعودة التضخم إلى الارتفاع نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات ومختلف السلع، سيضغطان بشدة على سعر الصرف. وقد يجد مصرف لبنان نفسه مضطرًا إلى اتخاذ واحد من خيارين أحلاهما مرّ: الأول تفلّيت سعر الصرف، ما يؤدي إلى انخفاض قيمة الليرة مقابل الدولار؛ أو العودة إلى تسليف الدولة تحت ضغط الحاجة أو إصدار قانون من مجلس النواب. وهو ما يؤدي إلى تآكل الاحتياطيات بالعملة الصعبة، التي وصلت إلى حدود 12 مليار دولار، وتقليص قدرته على التدخل لمعالجة الفجوة المالية، ما سيؤدي إلى نتائج بالغة السلبية.

الخطر الثالث يتمثل في عودة العجز في الموازنة العامة نتيجة اضطرار الدولة إلى التوسع في الإنفاق وزيادة رواتب القطاع العام، التي ستتآكل نتيجة تدهور القدرة الشرائية للمداخيل وارتفاع الأسعار. وهو ما سيؤدي حتمًا إلى عودة العجز أيضًا في ميزان المدفوعات. والعجز التوأم في الموازنة وميزان المدفوعات سيجرّ على البلد كل أنواع المشاكل الاقتصادية التي اختبرها لبنان في السنوات السابقة.

الحل بمجلس النقد

إزاء هذا الواقع، هناك مهرب آمن ومضمون يستطيع لبنان اللجوء إليه بأسرع وقت ممكن تحوّطًا لما قد يأتي على جناح الحرب الإيرانية–الأميركية، وضمانةً لمستقبل نقدي آمن في البلد. وهذا الحل معروف عالميًا باسم «مجلس النقد» (Currency Board)، ويعني حرفيًا مجلس تثبيت القطع، وقد أثبت نجاحه في البلدان التي تقع وسط اشتباك النيران الإقليمية والعالمية. فلماذا يُعدّ هذا الحل مثاليًا لدرء أخطار الحرب آنيًا وحماية الاقتصاد مستقبلًا؟

غالبًا ما تواجه البلدان التي تعتمد سعر الصرف العائم انعدام الثقة بعملاتها الوطنية عند الخضّات الكبيرة، واندفاعًا كبيرًا نحو شراء العملات القوية مثل الدولار أو اليورو أو غيرهما، فتنخفض قيمة العملة سريعًا وفقًا لقاعدة العرض والطلب. أما في الأنظمة التي تعتمد تثبيت سعر الصرف، مثلما كان يفعل لبنان، فترتفع المخاطر من انهيار سعر الصرف لأن المصرف المركزي لا يغطي العملة الوطنية بنسبة 100 في المئة بالعملات الأجنبية، نظرا لعدم توفر الكفاية من العملات الأجنبية للدفاع عن سعر الصرف، فيزيد الضغط على العملة وتتبخر احتياطيات المصرف المركزي بسرعة.

مجلس النقد يحمي من هذه المخاطر بناءً على قاعدة واضحة: لا تُطبع عملات محلية إلا بمقدار ما يتوافر من عملات أجنبية مثل الدولار، الأمر الذي يعطي الثقة للمستثمرين والأفراد، فلا يهلعون في أوقات الأزمات ويحوّلون عملتهم من العملة المحلية إلى الدولار”، برأي رئيس المعهد اللبنانية لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني. وهذه هي أهميته في ظل مناطق تعتريها الخضّات الجيوسياسية.

نجاح التجربة في العديد من البلدان

في الأساس، يُنصح باستخدام مجلس النقد في البلدان غير المستقرة داخليًا أو خارجيًا، يضيف مارديني. ولعل هونغ كونغ واحدة من الأمثلة العديدة عن البلدان الناجحة والمتطورة التي اعتمدت مجلس النقد لحماية عملتها من الاضرابات وسط تصاعد الصراع بين جاترها الصين والولايات المتحدة. ونفس الأمر ينطبق على البوسنة والهرسك، اللتين اعتمدتا مجلس النقد لحمايتهما من الخضّات السياسية والداخلية التي يمكن أن تتعرضا لها. كما أن معظم دول الاتحاد السوفياتي السابق، مثل إستونيا وليتوانيا..وغيرهما التي عانت من عدم الاستقرار الجيوسياسي، قررت اعتماد مجلس النقد لتأمين الاستقرار لسعر الصرف، وهو ما أدى إلى نمو وازدهار اقتصادي.

بشكل عام، فإن السعر المعتمد للصرف في المعادلة الجديدة القائمة على مجلس النقد يتحدد عادة بعد الاتفاق على تحرير سعر الصرف لمدة محددة زمنيًا. ولأن مجلس النقد يكون ضمانة لعدم تقلب سعر الصرف في أوقات الأزمات، ومغطّى بنسبة كاملة بالعملة الأجنبية، يتوقف الأفراد عن شراء العملات الأجنبية في هذه المرحلة الفاصلة، ويشترون العملة المحلية، لتوقعهم إمكانية ارتفاع قيمتها، ما يساهم تلقائيًا في رفع سعر الصرف، وبالتالي تحسن القدرة الشرائية للمداخيل، ولاسيما المقومة بالعملة الوطنية.

لبنان جرب مجلس النقد!

مع استلام نواب حاكم مصرف لبنان إدارة المصرف المركزي، برئاسة النائب الأول وسيم منصوري، بعد انتهاء ولاية رياض سلامة، عمدوا إلى اعتماد سياسة تشبه مجلس النقد، باعتراف النائب الثالث سليم شاهين. وكان من أهم نتائجه وقف تمويل الدولة وطباعة الليرات والحد من توسّع الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. وقد ساعدت كل هذه الإجراءات على ثبات سعر الصرف في الفترة الماضية وتأمين الاستقرار الاقتصادي.

مع عودة الضغط على المالية العامة للدولة، إضافة إلى خطر الحرب الإقليمية الكبير التي قد يتعرض لها لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر، فلا بدّ من الانتقال إلى اعتماد مجلس النقد اليوم قبل الغد، لدرء المخاطر وحماية الاقتصاد من مزيد من الخضّات التي يسببها انهيار أسعار الصرف.