ظلت الآراء حتى منتصف ليل الإثنين متفقة على مواءمة القرار الداخلي نظيره الدولي بتحييد لبنان عن الصراع الإقليمي. وكنت من بين المعتقدين أن إبعاد كأس الحرب المرة عن شفاه بلاد الأرز، المتورمة بكل الحروق الاقتصادية والمعيشية، ليس شفقة، إنما حاجة إقليمية. فكل المؤشرات التي سبقت نشوب الحرب في المنطقة، وتزامنت مع تطوراتها المتصاعدة، كانت ترسم مستقبلاً للبنان يعيد ربطه بماضيه، كبوابة عبور بري إلى دول الخليج، وصلة وصل مع العالم.
أخطأنا التقدير. وبدلاً من أن يدخل لبنان إلى العمق العربي، من باب إطباق كماشة المضائق البحرية على “هرمز” و”باب المندب” تدريجيًا، دخل الحرب من “شباك” الدفاع عن الجمهورية الإسلامية. وبغض النظر عن هزالة التدخل وعجزه الفاضح عن إحداث أي تغيير في المعادلة العسكرية، فإن رد الفعل كان كبيرًا. وقد أعطى الذريعة المناسبة لإسرائيل لـ “تعمل من الحبة قبة”، على حد قول المثل العامي.
الواقع المر
ونحن ننظر إلى الأهوال التي تنتظرنا، تمر أمامنا الأرقام خبط عشواء: 16 مليار دولار كلفة الحرب المستمرة منذ عامين، و70 مليار دولار عبارة عن فجوة نقدية في النظام المصرفي، وأكثر من مليار دولار ديون للعراق لتأمين فيول الكهرباء، و1.8 مليار دولار قروض من البنك الدولي للبقاء على قيد الحياة، و46 مليار دولار ديون من السندات الأجنبية، تحمل معظمها صناديق استثمار عالمية. تضخم بنسبة 15% من المرشح أن يرتفع إلى 30% مع الزيادات التي أقرت على البنزين والضريبة على القيمة المضافة والمستوعبات. 98% نسبة خسارة العملة الوطنية من قيمتها، و60% من اللبنانيين يعيشون تحت مظلة فقر متعدد الأبعاد، ونحو 25% يعيشون في الفقر المدقع. بنى تحتية متهالكة، ضعف في شبكات الاتصالات، وعجز فاضح في الكهرباء، وانقطاع دائم في المياه في عز الشتاء.
حجم الحرب ووقتها هما المقياس
فوق كل ذلك، عادت الحرب. و”من غير المعروف مدتها الزمنية ونطاقها الجغرافي”، يقول الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، مما يجعل من المبكر توقع انعكاسها الاقتصادية وتداعياتها على الأمور المالية والنقدية. فإن انتهت في غضون أيام، شيء، وإن امتدت لأسابيع وأشهر مع اجتياح بري وتهجير، فسوف تحدث أضرار كليّة.
الإقتصاد الخاص، منهك
أخطر ما يواجهه الاقتصاد هو تراجع آمال القطاع الخاص بإمكانية “لبننة لبنان”، على حد ما قال رائد الأعمال ريكاردو حصري، بما يعنيه ذلك من الابتعاد عن الصراعات الإقليمية والمناكفات الدولية، والاهتمام بتطوير الاقتصاد وحماية الإنجازات المحلية. فالقطاع الخاص الذي لطالما شكل صمام الأمان للاقتصاد ودافعًا لبقاء الأفراد وجاذبًا للاستثمارات والعملة الصعبة “أرهق”، يضيف حصري، فتلاحق الأحداث السلبية الأمنية والاقتصادية والسياسية تنهش من هذا القطاع الذي اختار البقاء في لبنان رغم كل الإغراءات الخارجية. وما يميز هذه المرحلة عن سابقاتها أنها تأتي في ظل العجز عن أخذ التدابير الاحترازية، ليس لسبب عصر المفاجآت فحسب، وإنما لاستنزاف كل الإمكانيات المتاحة. وإذا كنا نريد الحديث عن الأثر الاقتصادي للحرب، فما علينا إلا أن نصوّب على المواطنين المشردين في الطرقات من دون مأوى أو طعام. هذا هو الأثر الأول برأي حصري، الذي يلقي بأعبائه على الناس ويحرم المؤسسات من اليد العاملة ويعطل المدارس ويكلف الاقتصاد مبالغ وازنة قبل أي شيء آخر.
ارتفاع الأكلاف التشغيلية
على الصعيد الصناعي ظهرت الآثار سريعًا، إذ استيقظ الصناعيون على إضافة شركات الضمان كلفة التأمين على مخاطر الحرب على مستوعب 20 قدمًا بقيمة 2000 دولار، و3000 دولار على مستوعب 40 قدمًا، يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي. وهذه الكلفة سترتد مباشرة على التكاليف التشغيلية في المصانع اللبنانية المرتفعة أساسًا. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار النفط عالميًا، الذي سيؤثر على كلفة الشحن وكلفة الإنتاج في المصانع التي تعتمد على مولداتها الذاتية.
أما فيما يتعلق بالقدرة على الصمود والإنتاج، فأكد نصراوي أن المعيار هو فترة امتداد الحرب وحجمها، فالمخزون الأولي من المواد الأولية يكفي المصانع ما بين شهرين و3 أشهر. والمشكلة ستحدث إن تعطل طريق التصدير البحري بعدما واجه البري مشاكل مع الدول الخليجية.
السياحة “بارومتر” الاقتصاد
السياحة، التي تمثل البارومتر الأسرع تأشيرًا على سوء الوضع الاقتصادي، لم تدلّ سريعًا على ذلك، “إذ أن نسبة إشغال الفنادق في شهر رمضان الكريم عادة ما تكون في حدودها الدنيا”، يقول المستشار في الخدمات السياحية والفندقية نجيب نعمة. فنسب الإشغال في بيروت، التي تعتبر المعيار لبقية المناطق، تتراوح بين 15 و20%. وقدوم السياح والمغتربين يتراجع في شهر رمضان، وإن كان هناك زيارات فهي لا تنعكس على الفنادق بشكل مباشر. ومع هذا، فـ”إن الخشية على المستقبل، ولاسيما إذا طالت الحرب محليًا وإقليميًا”، يضيف نعمه، إذ “تضعف قدرة المؤسسات على الصمود وتسديد التكاليف التشغيلية وتأمين الرواتب”.
إيجابيات وسط السلبيات
لعل الإيجابية الوحيدة هي عودة أسعار الذهب للارتفاع بوصفه ملاذًا آمنًا، ومع ارتفاع الأسعار ترتفع قيمة احتياطي الذهب في مصرف لبنان، الذي يملك نحو 287 ألف طن من الذهب، أو ما يعادل 9 ملايين و221 ألف أونصة. وبأسعار اليوم، تقدر قيمة هذا الاحتياطي بنحو 50 مليار دولار، حيث وصل سعر الذهب عند كتابة هذه السطور إلى 5404 دولار للأونصة.
تجدد الحرب على لبنان عاد سريعًا، وقبل أن نقفل ملف الحرب السابقة ولو جزئيًا. وبحسب ما يصدر من تصريحات إسرائيلية بالإعداد لعملية عسكرية كبيرة خلال الأيام المقبلة، فإن الاقتصاد اللبناني هو “مشروع شهيد“ على مذبح الحرب الإقليمية.
