تقترب الاقتصادات، مع كل يوم تستمر فيه حرب إيران، من حافة الهاوية. ولا يفصل بينها وبين الوقوع في أعماق سحيقة من انقطاع الكهرباء وتعطل الإنتاج وتوقف المواصلات إلا أسابيع قليلة. فالحرب طوّقت أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، متسببةً بتراجع الإنتاج وتقليص الإمدادات. وحرمت ماكينة الإنتاج الأوروبية والآسيوية من مصدر وفير، بعدما حُرّم عليها استعمال النفط الروسي، ودفعت بقية دول العالم إلى اتخاذ تدابير جذرية للحفاظ على مخزونها الاستراتيجي.
صباح اليوم السادس على اندلاع الحرب في شرق المتوسط، استيقظ العالم على ردّة في أسعار المحروقات. فافتتحت البورصات التداولات على 84 دولارًا لخام برنت، وأقل من 79.5 دولارًا لخام غرب تكساس الوسيط. وما هي إلا ساعات قليلة حتى ارتد النفط صعودًا ملامسًا 90 دولارًا.
الصين وأميركا
مع تصاعد وتيرة الصراع في الخليج العربي وتوسعها، طلبت الحكومة الصينية من أكبر شركات تكرير النفط وقف صادرات الديزل والبنزين، وعدم توقيع عقود شحن جديدة. تُرجم ذلك سريعًا بتقليص تشغيل المصافي في آسيا وتعليق الصادرات.
ولتطويق هذه الخطوة البالغة الخطورة على معنويات الأسواق، والمترافقة مع توقف شبه كامل لتدفقات النفط والوقود من الخليج، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدبيرين سريعين:
- تسريب أخبار من مصادر في البيت الأبيض عن دراسة الحكومة الأميركية إمكانية التدخل في سوق العقود الآجلة للنفط.
- الإعلان رسميًا عن منح الولايات المتحدة إعفاءات لمصافي التكرير الهندية لشراء النفط الروسي لمدة شهر.
وبالفعل، لم تمضِ على القرار إلا ساعات قليلة حتى كانت «المصافي الهندية قد اشترت نحو 20 مليون برميل من أصل 30 مليون برميل محمّلة على البواخر الروسية المحظورة»، تقول الخبيرة في حوكمة الطاقة ديانا القيسي، الأمر الذي انعكس تراجعًا في الأسعار. إلا أنه، ومع تقدم ساعات النهار وتبيان قصور التدابير الأميركية قصيرة الأجل عن تحويط الآثار السلبية للحرب الطويلة الأجل، عادت الأسعار إلى الصعود وبنسب كبيرة.
هذا ما حصل في يوم أمس، فما الذي سيحصل في الأيام المقبلة؟
يتوقف مصير النفط والغاز على مدة الحرب، ومدى الضرر الذي قد يلحق بالمنشآت، وسرعة التعافي. وعليه، هناك ثلاثة سيناريوهات، بحسب القيسي:
- السيناريو الأول قصير الأمد، ويمتد حتى ثلاثة أشهر، حيث تستطيع البدائل المتاحة، والمتمثلة في تأمين خطي الأنابيب في السعودية وأبوظبي، نقل نحو 4.5 ملايين برميل يوميًا من خارج مضيق هرمز، إضافة إلى استعمال الفائض العالمي بمقدار 4 ملايين برميل، لتعويض تراجع الإمدادات من مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 مليون برميل نفط يوميًا.
- السيناريو الثاني: في حال امتدت الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر، فقد تضطر الدول العربية إلى ترشيد الاستهلاك واللجوء إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية، وهو حل متوسط المدى.
- بينما يتمثل السيناريو الثالث، والأخطر، في توقف التصدير كليًا، بحيث تفضّل الدول المنتجة حماية استهلاكها المحلي، ما قد يؤدي إلى شلل في العجلة الاقتصادية العالمية.
قطر تحذّر
السيناريو الأخير، الذي يسعى الجميع لتجنبه، قد يجد طريقه إلى التنفيذ في وقت أقصر بكثير. إذ توقع وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، أن تصل أسعار النفط الخام إلى 150 دولارًا للبرميل في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، إذا لم تتمكن السفن وناقلات النفط من المرور عبر مضيق هرمز، الذي يُعد أهم ممر لتصدير النفط في العالم، حيث يربط أكبر منتجي النفط في الخليج بخليج عُمان وبحر العرب. وبالتوازي، سترتفع أسعار الغاز إلى 40 دولارًا، من 15 دولارًا راهنًا للعقود الفورية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
الغاز أشد خطورة
في الوقت الذي يجري فيه التركيز بشدة على النفط، يبدو أن تأثير انقطاع الغاز سيكون الأشد. فقطر، التي تمد العالم بخمس الحاجات اليومية من الغاز، توقفت عن الإنتاج كليًا منذ مطلع الأسبوع. والأخطر أنه «حتى لو انتهت الحرب فورًا، فسيستغرق الأمر من قطر أسابيع إلى أشهر للعودة إلى دورة التسليم الطبيعية»، بحسب الكعبي.
وهذا ما قد يدفع الدول الأوروبية الأكثر استهلاكًا للغاز إلى واحد من حلّين: إما العودة إلى الغاز الروسي، وإما الانتقال إلى الوقود الأحفوري، وتحديدًا الفحم الحجري.
وبحسب القيسي، فإن أوروبا لم تنقطع كليًا عن استمداد الغاز من روسيا، إنما خفضت النسبة من حدود 45 في المئة إلى 12 في المئة فقط. وقد أدى إجراء ترمب الأخير إلى استئناف شركة روزنفت ألمانيا إمدادها من روسيا. وهذا ما دفع مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إلى تحذير الدول الأوروبية من أن التوجه مجددًا إلى روسيا للحصول على إمدادات الغاز سيكون «خطأً اقتصاديًا وسياسيًا»، ذلك أن «أحد الأخطاء التاريخية لأوروبا كان اعتمادها المفرط على روسيا كمصدر رئيسي للطاقة».
وتثير العودة إلى النفط الروسي خشية رفع روسيا لأسعار الطاقة، بعدما فُرض عليها سقف سعري لا يتخطى 40 دولارًا لبرميل النفط وأسعار منخفضة للغاز. ويساعد هذا الواقع في تغذية ماكينتها الحربية في أوكرانيا وتأمين موارد لها، لطالما سعت الدول إلى الحد منها وتقليصها عبر تجميد الأموال والعقوبات.
إذاً، العالم يقف على صفيح النفط الساخن. وإيران، التي استعجلت لعب الورقة الاقتصادية، قد تنجح في تخفيف الضغوط العسكرية عنها. فحتى لو استطاع التحالف الغربي فتح مضيق هرمز، فإن عودة حقول النفط والمصافي والموانئ إلى العمل بشكل طبيعي تبقى مستبعدة في ظل استمرار الحرب وإمكان تعرضها لأخطار كبيرة جراء استمرار استهدافها.
