تحوّلت الاستراتيجية الأمنية في تقويض البنى التحتية لـ حزب الله من تتبّع الشبكات المالية (Follow the money)، إلى استهدافها بشكل مباشر (Destroy the source of money). فبالتوازي مع ملاحقة وزارة الخزانة الأمريكية للأموال «غير النظيفة» منذ سنوات طويلة، وتتبع مصادرها وتحديد المستفيد النهائي منها وفرض العقوبات، كانت الشبكة المالية للحزب تتوسّع أفقيًا وعموديًا. وقد ارتفع عدد فروع جمعية القرض الحسن التي تمثل الذراع المالي للحزب منذ بدء وضع العقوبات في العام 2007، من 9 فروع إلى 31 فرعا حاليا تنتشر في الضاحية الجنوبية والبقاع جنوب لبنان بشكل تحديدي.
يوم أمس، وبعد ثمانية أيام على تجدّد الحرب الإسرائيلية على حزب الله، استهدفت الغارات ستة مقرات لـ جمعية القرض الحسن في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت. وسبقت هذه الموجة الواسعة من الاستهدافات عمليات تدمير لفروع الجمعية في السانت تيريز والعاقبية وغيرها من المناطق الجنوبية والبقاعية، لترتفع حصيلة الاستهدافات التي طالت هذا المرفق المالي إلى ثلاثين استهدافًا خلال أسبوع واحد.
إشكاليات القرض الحسن
السياق التدميري لمقرات وفروع ومخازن جمعية القرض الحسن في حرب 2026 لا يختلف عن سابقتيه. ففي المواجهات العسكرية خلال حرب لبنان 2006، دمّرت الغارات الإسرائيلية ستة من أصل تسعة فروع كانت قائمة آنذاك. كما دمرت حرب 2024 معظم الفروع في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت وبعلبك والهرمل. ومن المتوقع ألا تنتهي هذه الحرب قبل تسوية كل المقرات بالأرض أينما وجدت، وهو ما يطرح إشكاليتين عريضتين:
- الإشكالية الأولى اجتماعية ـ اقتصادية، وتتعلّق بـ«ذهبيات» عشرات آلاف المواطنين الذين رهنوا ما يملكونه من أصلٍ ذهبي مقابل مبالغ مالية أقل بكثير من قيمة الأصل نفسه. فطريقة عمل جمعية القرض الحسن تقوم على إعطاء قروض مقابل ضمانات عينية، بحيث لا يتجاوز المبلغ المقترض 50 في المئة من قيمة الضمانة. وبحسب المعلومات، عمدت الجمعية خلال عام 2024 إلى إجراء مقاصة مع المقترضين الذين عجزوا عن تسديد الدفعات الشهرية بسبب التهجير وفقدان الأعمال، فاستحوذت على جزء من الذهب، مع وعدٍ بإرجاع المتبقي عند هدوء الأحوال.
- الإشكالية الثانية نقدية ـ قانونية، وتتصل بغياب النية في حل هذه الجمعية المصرفية التي تعمل خارج الأصول، وذلك على الرغم مما جرّته على البلد من اعتداءات عسكرية وعقوبات مالية، لن يكون إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لـ مجموعة العمل المالي آخرها. فلا تهديم المباني قد يردعها، «ولا الدولة استطاعت أن تتخذ إجراءات حاسمة تجاهها»، بحسب القانونية المتخصصة في الشأن المصرفي الدكتورة سابين الكيك.
باستثناء التعميم رقم 170 الذي حظر فيه مصرف لبنان على الجهات المالية المرخّصة التعامل مع جمعية القرض الحسن و«تسهيلات» و«اليسر» و«بيت المال للمسلمين» وغيرها من الشركات غير المرخّصة، فإن «النيابة العامة المالية لم تتحرّك، ولا الحكومة أكملت المواجهة»، تضيف الكيك، ولو ترافق تعميم مصرف لبنان مع قرارٍ حازم، لكان بالإمكان تدارك الكثير من الأخطار النقدية والعسكرية، وتجنّب تعريض عشرات آلاف المتعاملين لمخاطر قد تظهر بشكل فاقع بعد انتهاء هذه الحرب.
التهديد بمشكلة اجتماعية
تكمن خطورة جمعية القرض الحسن في حجم تعاملاتها الكبير مقارنة ببقية الجمعيات المماثلة، المرخّصة وغير المرخّصة. فقد بلغت قيمة التسليفات الإجمالية حتى عشية حرب 2024 نحو 3.5 مليارات دولار، منها 500 مليون دولار بين عامي 2018 و2019. كما تحتفظ الجمعية بحوالي 400 مليون دولار من احتياطي الذهب، يُقدَّر أن تكون قيمته قد تضاعفت نتيجة الارتفاعات التي شهدها المعدن الأصفر خلال عامي 2024 و2025.
وعليه فإن طرق المعالجة للمرحلة المقبلة بجب أن تكون على مستويين، بحسب عضو الهيئة الإدارية في الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين ALDIC))، المحامي كريم ضاهر: الأول، ملاحقة ومعاقبة كل المخالفين الذين حوّلوا عمل الجمعية إلى مصرف غير مرخّص واستفادوا من ذلك من غير وجه حق من جهة، وسببوا أضرارا من الجهة المقابلة؛ والثاني، حماية المتعاملين بحسن نية.
عند تناول جمعية القرض الحسن، يجب التمييز بين الجمعية نفسها، والعمل المصرفي الذي أصبحت تقوم به. فبالنسبة للقرض الحسن كجمعية مدنية حائزة على علم وخبر 217 / أ.د عام 1987، فإن الملاحقة تكون على مدى التزامها بتقديم المستندات السنوية إلى وزارة الداخلية والتصريحات عن حساباتها إلى وزارة المالية، استنادًا إلى قانون الإجراءات الضريبية.
إلا أن القرض الحسن قد تخطى دورة كجمعية اجتماعية تقدّم القروض الصغيرة من دون ابتغاء الربح، وقام بأعمال مالية يحظرها قانون النقد والتسليف على المؤسسات والشركات غير المرخّصة من مصرف لبنان. وعلية، كان باستطاعة مصرف لبنان اتخاذ التدابير الجزائية المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، أو إحالة المخالفات إلى وزارة الداخلية لسحب العلم والخبر. فبحسب قانون المؤسسات المالية والتعاميم ذات الصلة، فإن القيام بالعمليات المالية وفتح فروع جديدة لهذه المؤسسات يتطلب موافقة مسبقة من مصرف لبنان، وتسديد مبلغ مالي، والتصريح عن العمليات المالية، وهذا ما لم يقم به القرض الحسن.
حل الجمعية ضرورة
هذا من الناحية القانونية، أما على أرض الواقع، فأنه «ليس من المهم فقط معاقبة المؤسسة المخالفة، بل إدراك النتائج المترتبة على ذلك على عامة المتعاملين معها بحسن نية»، يقول ضاهر. وإن كان يجب بحسب ضاهر، معاقبة المخالفين والإداريين واسترداد الأموال منهم، فإن «على الدولة التعامل مع الجمعية كما تعاملت مع بنك انترا، أي تحويلها إلى شركة تستطيع الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، للحؤول دون التسبب بكارثة اجتماعية».
حل القرض الحسن لا يساهم فقط في الحد من الاقتصاد غير الشرعي وتقليص آثار التوسع في الاقتصاد النقدي، بل يشكّل أحد المداميك الأساسية لتأمين استقرار العمل المصرفي. فهذه الجمعية التي تقدّم قروضًا سنوية بمئات الملايين من الدولارات من دون فوائد، تسلب من القطاع المصرفي حصة وازنة من السوق لمصلحتها. كما أن حلها يخفف، بالتأكيد، من قصف المباني والتهديم الناتج عن الغارات الإسرائيلية على بنيتها التحتية. فهل من يستجيب؟
